د.حمزة عيسى

لم تعد الحقوق القومية الكردية مجرّد طموحٍ نظري يراوح مكانه في أدبيات الحركات السياسية الكردية، بل باتت قضية سياسية ناضجة تفرض ذاتها على أجندة الإقليم والمجتمع الدولي، كواحدة من أبرز الملفات التي تستدعي الحلول العادلة والواقعية. إن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة، وانكشاف هشاشة الأنظمة المركزية في أكثر من دولة، تفتح نافذة حقيقية لمراجعة المفهوم التقليدي للدولة القومية الأحادية، وتُعيد الاعتبار للهوية الكردية بوصفها مكوّناً أصيلاً في الخارطة الجيوسياسية والإنسانية للشرق الأوسط.
لقد أثبتت التجربة، عبر العقود الماضية، أن محاولات الإنكار والصهر والتذويب القسري لم تُفلح في طمس الهوية الكردية أو إلغاء تطلعاتها. بل على العكس، ساهمت تلك السياسات في تعميق الوعي القومي لدى الشعب الكردي، ودفعته إلى إعادة إنتاج ذاته سياسيًا وثقافيًا، بل وحتى عسكريًا، وفق أسس أكثر نضجًا وتماسكًا.
اليوم، لم يعد الحديث عن “الحقوق القومية” مجرد ترفٍ فكري أو خطاب شعبوي، بل تحوّل إلى واقع تفرضه الجغرافيا السكانية، والتجربة الكردية في الإدارة الذاتية، والمشاركة الفاعلة في مكافحة الإرهاب، إلى جانب الحضور الدبلوماسي الكردي المتنامي في المحافل الإقليمية والدولية.
إن المجتمع الدولي، وإن بدا مترددًا أحيانًا في اتخاذ مواقف حاسمة، لم يعد يتجاهل وجود قضية كردية عادلة، تتطلب مقاربة قانونية وإنسانية شاملة، تنسجم مع مبادئ العدل وحق تقرير المصير المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. أما الأنظمة التي ما تزال تتعامل مع المسألة الكردية من منطلق أمني أو سلطوي، فهي أنظمة محكومة إما بالتغيير أو بالتآكل التدريجي.
ولعلّ ما يجب التأكيد عليه، هو أن الحقوق القومية الكردية ليست حالة عدائية تجاه الآخرين، بل هي دعوة إلى شراكة وطنية حقيقية، قائمة على التعددية والاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات الثقافية واللغوية. وعليه، فإن مستقبل المنطقة مرهونٌ بقدرة شعوبها، لا بسلطاتها فقط، على بناء نماذج تعايش سياسي يضمن للجميع الكرامة والمساواة.
إن الحقوق القومية الكردية ليست أمنية مؤجلة، بل استحقاق تاريخي باتت الظروف الإقليمية والدولية مهيأة لتحقيقه، وما هي إلا مسألة وقت. وهذا الاستحقاق لن يُمنح، بل يُنتزع بوسائل سياسية مشروعة، عبر وحدة الصف، وتعزيز الخطاب العقلاني، وبناء تحالفات استراتيجية تحوّل الحلم الكردي إلى واقع ملموس.