د. حمزة عيسى
تشهد المنطقة هذه الأيام مرحلة مفصلية خطيرة، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وسط تصاعد التوترات والاضطرابات، كما هو واضح في السويداء، حيث يُمارَس بحق أهلنا الدروز حصار وتجويع وتهميش يُنذر بانفجار شعبي وشيك. هذه الأحداث ليست معزولة، بل هي جرس إنذار لما قد يُراد تطبيقه على مناطق أخرى، وفي مقدمتها مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (روجآفا)، حيث الغليان السياسي والميداني بات ملموسًا، والاستهداف بات مباشرًا للوجود الكوردي ومكتسباته.
إنّ الكُرد، كقضية قومية وجغرافية وتاريخية، ليسوا خارج معادلة الاستهداف، بل هم في صلبها. لذلك، فإن المطلوب اليوم – وأكثر من أي وقت مضى – هو إدراك اللحظة الحرجة، واتخاذ قرارات حاسمة من كافة القوى والأطراف الكرودية في كوردستان سوريا، بعيدًا عن الحزبيات الضيقة والخطابات الرنانة، نحو بلورة وحدة كوردية حقيقية لا شكلية، قائمة على إرادة شعبية جامعة، ورؤية سياسية مسؤولة، ومؤسساتية قابلة للحياة.
الوحدة الكوردية ليست ترفًا سياسيًا، بل حاجة وجودية.
وفي ظل مؤشرات التفكك والتسلل الواضح لبعض العناصر المرتبطة بأجندات معادية ضمن تشكيلات “قسد”، فإن احتمال الانهيار الداخلي وارد جدًا، وقد يُستغَل لإحداث اقتتال داخلي أو لشرعنة مجازر جديدة بحق الكُرد، تمامًا كما حدث في مناطق أخرى.
هنا، تبرز الضرورة الاستراتيجية لإعادة تشكيل قوة دفاع كوردية موحدة، عبر استقدام قوات بيشمركة روجآفا ودمجها ضمن مشروع وطني كوردي شامل، تحت غطاء شرعي سياسي وإقليمي ودولي. هذه القوة يجب ألا تكون مرهونة لأي أجندة خارجية، بل تعمل لحماية الكورد – شعبًا وأرضًا – من أي خطر داهم، وتساهم في ضبط التوازن الداخلي ومنع الانهيار الأمني والسياسي.
إنّ ما يحدث في السويداء هو اختبار لكل السوريين، لكنّه بالنسبة للكورد هو بروفة محتملة لمستقبلٍ خطير إن لم نحسن التقدير ونتخذ القرار.
فهل سنتعلّم من السويداء، ونبادر بالوحدة الفعلية، أم ننتظر الدور القادم؟
نوجّه نداءً إلى القيادات السياسية والعسكرية في روجآفا، وفي مقدمتهم الجنرال مظلوم عبدي، أن يرتقوا إلى مستوى المرحلة، ويترجموا الإرادة الشعبية في الوحدة، عبر قرارات شجاعة ومسؤولة، تبدأ بإعادة تنظيم الصف الكوردي وتحصين البيت الداخلي.
وأخيرًا، فإن وحدة الكورد في روجآفا، هي جزء لا يتجزأ من وحدة الأمة الكوردية في كل من باكور، باشور، وروژهلات.
إن كوردستان الكبرى، وإن تعثّرت جغرافيًا بفعل سايكس بيكو، لكنها تعيش في ضمير كل كوردي حر، من القامشلي إلى السليمانية، ومن ديار بكر إلى مهاباد.
الوحدة والإرادة الكوردية، هي شرط البقاء والكرامة والخلاص.
ولن يتحقق السلام في سوريا ولا الاستقرار في المنطقة، دون الاعتراف الصريح بحقوق الشعب الكوردي، كشعب أصيل، له لغته، وأرضه، وحقه في تقرير مصيره.
