عبدالباقي اليوسف
لم تكن سوريا مجرد دولة على الخريطة، بل كانت فسيفساء اجتماعية وثقافية غنية، تجمع بين مكوناتها المختلفة تاريخًا مشتركًا. لكن على مدى عقود، تعاملت الحكومات المتعاقبة مع هذا التنوع بعقلية طائفية، لم تُولِّد كيانًا وطنيًا حقيقيًا. هذا الواقع يتجلى اليوم بوضوح في نموذج الحكم الحالي، الذي لا يعبر عن دولة بالمعنى الوطني، بل هو كيان مافيوي يمثل مصالح فئوية محددة.
إن محاولات هذه الكيانات إظهار نفسها كممثل وحامٍ لمكون معين، مع ادعاء حرصها على الوحدة الوطنية، هي في حقيقتها مجرد ستار لمصالحها الخاصة ومن يدعمها. هذه الممارسات لا تزيد سوريا إلا تشرذمًا وتدهورًا، وتدفع ثمنها الطائفة التي تدعي هذه الكيانات تمثيلها. وكما دفع العلويون ثمنًا باهظًا لسياسات النظام السابق، فإن الهجمات على الدروز في السويداء اليوم، والتي تتحمل مسؤوليتها السلطة الحالية، تؤكد أن سياسات التهميش والتحريض لا تزال قائمة، وأن هذه السلطة لا تقف على الحياد في النزاعات.
تُشير الانتهاكات المستمرة ضد المكونات السورية، بما في ذلك العلويون، والدروز، والمسيحيون، والكورد، إلى أن هناك رفضاً متأصلاً للتنوع الذي لطالما ميز الهوية السورية. إن هذا الخطاب التحريضي، الذي يُغذّى عبر المنابر الإعلامية ويُترك ، ينتشر في الشارع، يتم بتواطؤ واضح من الحكومة الحالية، مما يدفع البلاد إلى المزيد من الانقسام. هذه الممارسات المتصاعدة تشكل تحدياً وجودياً لكل السوريين، وتهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الذي يربطهم.
لقد أثبتت تجارب الماضي، سواء نموذج البعث في سوريا والعراق أو أي محاولة أخرى، أن فرض السيادة بالقمع والترهيب أمر مصيره الفشل. ذهب عهد بناء الدول القومية على النموذج الفرنسي أو باليد الحديدية. فالحل في سوريا ليس بفرض السيطرة عبر السلاح، بل بإعادة بناء الثقة وإعادة صياغة العقد الاجتماعي.
إن إنقاذ سوريا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا أقرت الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها الحكومة الحالية، بأن الحل الجذري يكمن في بناء نظام لا مركزي اتحادي. هذا يتطلب صياغة دستور جديد من خلال مؤتمر وطني يمثل كافة المكونات السورية تمثيلاً حقيقياً، وليس بصيغة مصممة مسبقاً لخدمة مصالح فئة محددة.
على كل من يسعى بصدق لإنقاذ ما تبقى من الدولة السورية أن يدرك أن السبيل الوحيد هو حوار شامل وشفاف يجمع الممثلين الفعليين لكل أطياف الشعب السوري، بما في ذلك: الكورد والعرب، المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، العلويين والدروز والسنة، العلمانيين والأحزاب السياسية.
في حال استمرار الحكومة الحالية في سياساتها الراهنة، فإن الأمر لم يعد يحتمل التأخير. بات من الضروري أن تتولى المكونات السورية زمام المبادرة، خاصة بعد الانتهاكات التي طالت الدروز وغيرهم، وذلك بعقد مؤتمر وطني في منطقة آمنة ومستقلة القرار، كمنطقة شرق الفرات. الهدف من هذا المؤتمر هو صياغة عقد اجتماعي جديد لسوريا المستقبل يضمن حقوق الجميع، ومن ثم تقديمه إلى مجلس الأمن الدولي. إن هذه الخطوة تؤكد للعالم أن إرادة الشعوب هي الأساس الحقيقي الذي تُبنى عليه الدول، وليس أدوات القمع.
