د.حمزة عيسى
في الصورة ليس مجرد مسلّح عابر يحمل بندقية وهاتفًا.. بل تجسيد صارخ لأحد أعظم أمراض العصر: الجهل المقدس، حين يتحول الإنسان إلى أداة قتل لا يفرّق بين طبيب ومعلم، ولا يدرك الفرق بين كتاب ومسدس. هذا الوجه القبيح ليس وجه فرد، بل هو وجه منظومة دمّرت وطنًا، حطّمت مؤسساته، وأعدمت نخبته، وشوّهت إنسانيته.
لقد رأينا مثل هذه الوجوه كثيرًا، في مشاهد الغدر والمجازر التي ارتُكبت في قرى الساحل السوري، حين أُبيدت أسر بأكملها فقط لأنهم كانوا في منازلهم، أو لأنهم ينتمون إلى طائفة بعينها. يومها لم يسأل أحد عن انتماءات الضحايا السياسية، أو أحلامهم، أو إنجازاتهم العلمية. وحده الحقد الطائفي والجهل المنفلت من عقاله كان يقرّر من يعيش ومن يُذبح.
واليوم، يتكرّر المشهد ذاته في السويداء، المدينة الصامدة التي كانت دومًا خارج معادلة التطرف والدم، مدينة الفكر والدروز الأحرار، التي رفضت الركوع لكل راية لا تحمل الوطن في قلبها. لكنها تُحاصر وتُستهدف وتُهدّد، فقط لأنها ما زالت تقول “لا” في زمن الصمت الجماعي.
نعم، إنها حرب الجهل على الوعي، حرب البنادق الرخيصة على العقول النبيلة، حرب المافيات والمتطرفين والمخبرين على ما تبقى من سوريا العميقة التي أنجبت أطباء ومهندسين وأكاديميين، قبل أن تبتلعهم سكاكين الميليشيات ومقصلة الاستبداد معًا.
كل من يرفع سلاحه بوجه قلم، هو عدو للإنسانية. وكل من يقتل معلّمًا أو طبيبًا أو صيدليًا، هو يدفع بسوريا مئة عام إلى الخلف. وكل من يقف متفرّجًا على ما يجري في السويداء اليوم، كما فعل بالأمس في الساحل، هو شريك في الجريمة.
ليست هذه فقط مأساة السويداء، بل مأساة وطن تمزق بين عسكر فاسد، وجماعات متطرفة، وشعب مسحوق يُدفن أحياءً في المخيمات، وتُسرق منه أحلامه بالحرية والكرامة والتعليم.
إننا اليوم أمام مسؤولية تاريخية: إما أن نواجه هذه العقلية الدموية الجاهلة بكل ما نملك من وعي وصوت وكتابة،
أو نسقط جميعًا ضحية لرصاصات لا تميز بين عالمٍ ومزارع، وبين حرٍ وعبد.
فلنكن صوت الساحل حين صمت العالم،
وصوت السويداء الآن قبل أن تتحول إلى خبر عاجل جديد في سجل المجازر المنسية.
