Lukman Ahmad
منذ منتصف القرن العشرين، وسورية — هذه الجغرافيا التي كانت يومًا بوتقة تنوع وإرث حضاري — تسير في طريق التدمير الذاتي، تحت شعارات قومية فضفاضة، وأيديولوجيات مسمومة.
كان صعود حزب البعث العربي_الاشتراكي نقطة الانقلاب الكبرى. باسم “الوحدة والحرية والاشتراكية”، تم سحق المجتمع السوري وتنوعه العرقي والطائفي، واحتُكرت السلطة، وأُقصيت مكونات بأكملها من المشهد العام، بل من التاريخ والجغرافيا.
ثم جاء الدور المصري، حيث صدّر جمال عبد الناصر خطابه العروبي الطوباوي، بكل ما يحمله من إقصاء وتذويب للهويات المحلية، ليضاف إلى مشروع البعث، في ما بدا وكأنه محاولة ممنهجة لإلغاء التعدد وتكريس هوية “عربية إسلامية” واحدة، بواجهة حداثية، وجوهر استبدادي.
هكذا، تحوّل الوطن إلى مسرح صراعات، ورافعة لأنظمة دكتاتورية، وبيئة خصبة لنمو الفكر الإسلامي المتطرف،
الذي حمل نفس بذور الإقصاء القومي، وأضاف إليها تكفيرًا ممنهجًا واستباحة للدماء باسم الدين.
ما نشهده اليوم في سورية من تحكّم جماعات دينية متطرفة، وعودة العروبة بلباس ديني تكفيري، في ذبح و قمع الناس في السويداء و الساحل السوري و كذلك تهديد الأكراد و خطابات الكراهية ضدهم ، ليست سوى النتيجة المتوقعة لذلك الدمج المشوه بين البعث والناصرية، والتمهيد العنيف لحقبة الإرهاب.
لقد أصبحت هذه الجغرافيا سجناً مفتوحاً، تأكل أبناءها الواحد تلو الآخر، وتعيد إنتاج آليات القمع بأسماء جديدة ورايات مختلفة. ما تزال تقتل أحلام الحرية، وتُخمد صوت التنوع، وتحكم على المستقبل بالمحو والنسيان.
تبًّا لجغرافيا ترفض أن تتعلم من تاريخها، وتصر على اجترار مآسيها حتى آخر رمق.
