د.حمزة عيسى

نظام البعث، بوجهيه الأبوي والعائلي، الذي حكم سوريا بالحديد والنار، وأغلق كل منافذ التنفس السياسي والاجتماعي والثقافي. نعم، لقد نشأنا في دولة بوليسية، تعلّمنا فيها كيف نُصفّق، لا كيف نُفكر، وكيف نُؤمّن، لا كيف نُحاور، وتحولت الهوية الوطنية إلى شعارات جوفاء تسكن جدران المدارس ولا تسكن ضمائر الناس.
ولكن – وهنا جوهر الخلاف – لا يجوز أن نُسلم بقيادة أي بديل فقط لأنه أطاح بالسابق. فالثورات ليست عملية تصفية حسابات آنية، بل هي مشروع طويل لبناء الدولة العادلة. والشرعية لا تُستمد من عدد البنادق، ولا من هزيمة طاغية، بل من تجسيد القيم التي من أجلها ثار الناس: الحرية، الكرامة، المواطنة، التعدد، والعدالة.
إن محاولة تبرير ما نراه اليوم من اختطاف للمشهد السوري باسم الثورة، هو خيانة للثورة ذاتها. أن نُلبس الفوضى لبوس البطولة، ونُضفي على التطرف شرعية التحرر، هو خلط فادح بين النقيضين.
دعونا نسأل بصراحة:
من يقود بعض المناطق المحررة اليوم؟
هل هؤلاء يمثّلون حلم 2011؟
هل مشروعهم هو دولة المواطنة، أم سلطة العصابة؟
هل خطابهم هو خطاب حرية، أم خطاب تكفير وتخوين؟
الجولاني مثالًا لا حصراً، ليس امتدادًا للثورة، بل للانقلاب على جوهرها. هو ابن مشروع الإسلام السياسي العابر للأوطان، لا ابن الثورة السورية. لا يؤمن بسوريا وطنًا، بل إمارة. لا يرى في التعددية نعمة، بل تهديدًا. كل بنيته الأمنية والعسكرية لا تنتمي لوجدان المجتمع السوري، بل توظفه ليكون وقودًا في مشروع غريب، لا وطني، ولا جامع.
وإن ما جرى ويجري في الساحل السوري، وفي السويداء، وفي بقاع أخرى من البلاد، ليس إلا جزءًا من هذا المخطط الذي يُدار بأسماء وعناوين محلية، لكنه يحمل مشروع التقسيم على ظهره، ويمضي نحو الطائفية والاقتتال الأهلي، مستترًا أحيانًا برداء الدين، وأحيانًا بلباس العشيرة.
وحين يخرج علينا بعض رؤساء العشائر ليُبرّروا للجولاني سلطته، ويختزلوا حكم البلاد بـ”سني شاء من شاء وأبى من أبى”، فإننا أمام نزعة تهدد هوية سوريا، ووحدتها، ومستقبلها. هذه ليست ثورة، بل بداية تفكيك.
أما من يقول إن الانتقاد يُضعف السفينة، فنقول له: بل السكوت هو ما يُغرقها. فالسفينة التي يقودها قراصنة، لا تنجو بالصمت، بل بالرفض. والثورة التي تُعميها الشعارات، تُعيد إنتاج الاستبداد تحت رايات مختلفة.
ختامًا…
نعم، النظام البعثي هو المسؤول الأول عن خراب الوطن، ولكن من يتصدر اليوم المشهد دون مشروعية، ويمنع النقد باسم “المصلحة”، يرتكب الخطيئة ذاتها. وإن لم نقل لا اليوم، فسنجد أنفسنا نعيد ذات الطريق، مع أسماء جديدة، ولغة مختلفة، لكن بنفس الخراب.
فلنكن أوفياء لصرخة السوريين الأولى:
حرية – كرامة – عدالة – مواطنة.
لا لمشروع دويلات طائفية،
لا لحكم العصابات،
ولا لصوت يغتال الحقيقة باسم الثورة.