جوان ديبو

تشخيص المرض هو الخطوة الأولى نحو العلاج، هذا إذا كان المرض المكتشف قابلاً للمداواة.لكن قبل التشخيص وقبل أن يقوم المشخص بعمله، يقرُّ المريض بمرضه، ويذهب طواعية ومن تلقاء نفسه وبقرار ذاتي إلى الطبيب (المشخص) بهدف اكتشاف سبب ومنبع الألم (الداء) وإيجاد الدواء للتخلص من الأعراض إما بشكل نهائي أو على الأقل تخفيف حدة الألم، مرة أخرى إذا كان الداء المكتشف خاضعاً للعلاج. هذا المسار أو هذه الخطوات والإجراءات عادة ما تُتخذ على صعيد الفرد والأمراض العضوية والنفسية التي يتعرض إليها، لكن ماذا بخصوص الأمراض الحضارية التي تصيب الشعوب والمجتمعات والدول؟ وماذا إذا كانت هناك بعض الشعوب التي لا تعترف بالأساس بالأمراض التي تعاني منها، أو لنقل أنها لا تشعر بالأمراض التي تفتك بها وتعتقد أن الأعراض التي يتحدث عنها الآخرين ما هي إلا نعمة وهبة من الخالق؟ ولذلك تفتخر وتقدس بما يعتقده البعض المختلف على أنها أمراض أو انحطاط، وهذا بحد ذاته مرض آخر أكثر تعقيدا وتشابكا وخطرا ألا وهو فقدان أو خلل الإحساس، وهذا ما يزيد الطين بلة.
على الصعيد الجمعي السلطة السياسية بما أنها سلطة جامعة وقاهرة هي التي تقرر رسمياً فيما إذا كانت هناك علل سياسية وإدارية واجتماعية وثقافية ضمن الحيز الجغرافي التي تهيمن عليها تلك السلطة، وبالتالي فيما إذا كانت هناك حاجة بالأساس لكي تقوم بتشخيص هذه العلل. بمعنى آخر، المشخص الذي يحتكر عمليا شرعية التشخيص ويطرح مشاريع الحلول هي السلطة السياسية فقط، وفي البلدان التي تتمرغ في أوحال الاستبداد، المشخص يكون هرم أو رأس السلطة. في سوريا مثلا، المشخص الأقوى الآن في هذه المرحلة التي قد تطول وقد تقصر، هو الفاتح أحمد الشرع ومنظومته الإسلامية السلفية الجهادية، إذاً فتشخيص الآفات والعلل التي تكابد منها سوريا واقتراح الحلول سيكون وفق وجهة نظر أحمد الشرع ونظامه الإسلامي السني العروبي. بعبارة أخرى، سيكون التشخيص ومشاريع الحلول التي بدأ غيثها السُمّي الأول بالانقشاع والهطول وفق فكر قروسطي، أي لا ينتمي إلى هذا العصر الذي نعيش فيه. وكنتيجة، فإن تشخيص وحلول أحمد الشرع ومنظومته الجهادية السلفية ستزيد الأوضاع المعقدة أصلا أكثر تعقيدا وستبعد سوريا المصطنعة والهجينة أكثر فأكثر من الليبرالية واللا مركزية والفيدرالية والديمقراطية والمدنية والتعددية، هذه المفردات وغيرها التي يتهمها أحمد الشرع ومجموعته بالكفر والزندقة والمنافحين عنها بالعمالة للغرب. وهنا يتم تغييب واغتيال الحل أو البديل بسبب الاستبداد الذي يجهض أية مقاربات أخرى تنتج عن تسويات أو إجماع أو شبه إجماع مجتمعي ونخبوي. مرة أخرى وضعت سوريا لأسباب محلية عديدة وبسبب لعنة ونقمة لعبة الأمم على سكة الضياع بعد أن كانت على نفس السكة منذ عقود، والسبب الرئيسي هو ان الفاتحين الجدد يتبنون تشخيصاً فريدا استثنائياً لا يمت بصلة إلى منطق ومفهوم هذا العصر، وإنما إلى منطق ومفهوم يرجع إلى القرن السادس الميلادي، فتأمل يا رعاك الله. أين هو الحل وكيف هو الحل؟ أم أنه لا حل ولا انفراج يلوحان في الأفق على الأقل على المستوى المستقبلي المنظور! مسلسل الضياع الحضاري السوري مستمر ولا أحد يستطيع التكهن متى وكيف ستكون الحلقة القادمة فما بالك الأخيرة.