ق.ق.ج
فواز عبدي
في المساء، تجمعوا في الغرفة القديمة.
الطاولة المتآكلة نفسها، الصور الباهتة نفسها على الجدران، والأناشيد المغبرة نفسها على الرفوف… كأن الزمن توقف هنا.
طرق الأول الطاولة بأصابعه، وقال بلهجة جادة:
– نحتاج إلى وحدة الموقف.
قهقه الثاني بسخرية:
– أي موقف؟ حين جُعنا معاً وتشاجرنا على لقمة؟ أم حين تبعثرنا كفتات الخبز؟ أم حين انقسمنا على الكعكة؟!
أدار الثالث وجهه نحو الجدار، حيث صورة قديمة لهم. وجوههم فيها مشتعلة بالأمل، وعيونهم تتطلع إلى أفق بعيد.
صمت، ولم ينبس بكلمة.
همس الرابع بصوت خافت، كأنه يخاطب نفسه:
– السياسة لا تعني أن نبقى كما كنا، لكنها لا تعني أيضاً أن نصبح ما لم نكن.
ساد الصمت.
في الزاوية، جلس الخامس منعزلاً. لم يشارك في النقاش، ولم يرفع عينيه عن هاتفه.
شيب غطّى رأسه، ورجلاه بالكاد تحملانه. كان يحسب شيئاً، أو ربما يهرب منهم.
سأله أحدهم بنبرة متعجبة:
– لماذا أتيت إلينا أصلاً؟
أجاب دون أن ينظر إليهم، بصوت جاف كالتراب:
– دُفِعتُ لأكون هنا.
تجمّدت الأنفاس.
نظر الأول إلى الخامس، ثم أطفأ الضوء.
جلسوا في العتمة التي بدت وحدها الصادقة… وكلٌّ يرى فيها ما يشبهه.
