د.حمزة عيسى

في التاريخ السياسي الحديث، تتكرر أمامنا تجربة الشعوب التي استطاعت تحقيق أهدافها القومية عبر تجاوز خلافاتها الداخلية، وتوحيد جهودها خلف رؤية واضحة. وعلى العكس، تثبت الوقائع أن الانقسام الداخلي هو السلاح الأكثر فاعلية بيد الخصوم، مهما كانت قوتهم العسكرية أو السياسية.
عندما نتأمل المشهد الإقليمي، نرى خصومنا التاريخيين – من التركي إلى الإيراني، ومن العربي إلى حتى المكوّنات الهامشية – يختلفون في السياسة، الاقتصاد، وحتى داخل أسرهم، لكنهم حين يكون الحديث عن الكرد، يصبحون جبهة واحدة، ويضعون كل خلافاتهم جانبًا، ويتحركون بخطة واحدة لإضعافنا، وتشويهنا، وكسر إرادتنا.
أما أنتم، يا من تصدّرون أنفسكم كمحللين سياسيين كرد على الشاشات أو على منصات التواصل الاجتماعي، فبدل أن تكونوا صوت العقل، صرتم سلاحًا في يد أعداء القضية. جعلتم من مهنتكم منبرًا لتصفية الحسابات الحزبية، وتخوين كل من يخالفكم الرأي، حتى بات خطابكم أقرب إلى بيانات أجهزة المخابرات التي تعمل على تمزيق شعبكم.
القضية الكردية، بما تحمله من عمق تاريخي وجذور حضارية، ليس فقط مطلب سياسي، بل مشروع تحرري وإنساني لشعب يعيش موزعًا بين أربعة كيانات سياسية، تحكمها رؤى قومية ومصالح استراتيجية متناقضة، لكنها تتفق جميعها على تهميش الوجود الكردي ومنع تشكّل كيانه السياسي المستقل.
إن أي انشغال بخلافات جانبية – سواء كانت حزبية أو أيديولوجية أو شخصية – هو خدمة غير مباشرة لهذه الأجندات المعادية. فالخصوم لا يحتاجون لبذل جهد كبير إذا كنا نحن من نمزّق صفوفنا بأنفسنا، ونحوّل طاقتنا الإعلامية والسياسية إلى ساحة تصفية حسابات داخلية.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو وضع مبدأ “كردستان فوق كل الاعتبارات” كمرجعية عليا لكل نشاط سياسي وإعلامي وثقافي كردي. هذا لا يعني إلغاء التعددية أو الاختلاف المشروع في الرأي، بل يعني تنظيمه ضمن إطار وطني جامع، حيث تُقدّم المصلحة القومية على المصلحة الحزبية، وتُبنى المواقف على أساس خدمة الهدف الأكبر: تحقيق حقوق الشعب الكردي في تقرير مصيره والعيش بكرامة على أرضه التاريخية.
إن التاريخ لن يسجل أسماءنا كأفراد أو أحزاب، بل سيسجل النتيجة: هل كنا جيل الوحدة الذي وضع الخلافات جانبًا وأنجز خطوات نحو الحرية، أم جيل التشرذم الذي ضيّع الفرصة التاريخية؟ الخيار بأيدينا، والوقت لا ينتظر المترددين.