جوان ديبو

أصدر الصحافي البريطاني باتريك سيل في العقد السادس من القرن الفائت كتابا بعنوان “الصراع على سوريا ١٩٤٥-١٩٥٨”. يخلص الكاتب إلى القول “أن مَن يقود الشرق الأوسط، لا بدّ له من السيطرة على سوريا”. ويعزو السبب إلى موقع سوريا الإستراتيجي، فهي “تشرف على الممرات الشمالية الشرقية الموصلة إلى مصر، وعلى الطريق البري ما بين العراق والبحر المتوسط، وعلى شمال الجزيرة العربية والحدود الشمالية للعالم العربي”. مضمون ما كتبه باتريك سيل منذ عدة عقود ما زال ساري المفعول والشيء الوحيد الذي تغير هو هوية اللاعبين والمنافسين، فبعد أن كانت سوريا حلبة تنافس بين العراق ومصر والسعودية بعيد “الاستقلال”، تحولت فيما بعد إلى ساحة منافسة بين ايران واسرائيل والآن بين إسرائيل وتركيا. لا يمكن لسوريا إلا أن تكون ساحة للصراعات الاقليمية والدولية بما ان الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في دمشق لا تستطيع أن تعيش وتدوم إلا في جلابيب القوى الإقليمية الكبرى. ليست لعنة الجغرافيا لوحدها، كما يقول باتريك سيل، هي من أرغمت وترغم سوريا على أن تكون مسرحاً لتصفية حسابات بين قوى إقليمية ودولية، وإنما لعنة العقل النخبوي المحلي الحاكم هي من أوصلت سوريا إلى الحضيض. نظام الأسد المركزي البغيض أدخل سوريا تحت العباءة الإيرانية، والآن نظام الشرع المركزي البغيض يريد إدخال سوريا تحت العباءة التركية، وإسرائيل بضوء أخضر أمريكي وروسي وغربي لن توافق بأن تكون سوريا تحت عباءة هاتين القوتين الإقليميتين اللتين تسعيان إلى النفوذ والهيمنة في المنطقة. السؤال هو: إذا كانت بوصلة الفاتحين الجدد في دمشق مبرمجة ومصوبة نحو القوى العربية المعتدلة مثل السعودية ومصر والإمارات، هل كانت إسرائيل ستفكر في الهجوم على سوريا؟ الجواب على الأرجح هو لا، ولكن بما أن الحكام المتعاقبين في دمشق لا يستطيعون الحكم إلا تحت رعاية القوى الإقليمية المارقة مثل إيران في السابق وتركيا في الوقت الراهن، إذا هكذا سيكون المصير.