جوان ديبو
يقول الشاعر والمفكر الفرنسي اتيان دو لا بواسييه 1530-1563 في كتابه ”مقالة العبودية الطوعية” Discourse on Voluntary Servitude “عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن ان نسميه “المواطن المستقر”.
بعد حوالي ٤٥٠ سنة على إصدار كتاب “العبودية الطوعية” وبعد أن انعتق بلد الكاتب نفسه “فرنسا” وجيرانها -موضوع الكتاب- من العبودية الطوعية والقسرية على السواء ومنذ أمد طويل، لم يبقى في العالم تقريباً سوى بعض أو معظم أفراد وشعوب الشرق الاوسط الذين أدمنوا واستلذوا وتأبدوا دور “العبد الطوعي” و “العبودية الطوعية”. لكن السؤال الملحاح هنا هو: لماذا يصر البعض ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عصر الذكاء الاصطناعي، على لعب دور العبد والمريد والتابع الطوعي؟ ربما الجواب يكمن في القيود. القيود الطوعية والقسرية والإدراكية واللا إدراكية هي التي تحول دون رؤية الإنسان للوقائع حتى وإن كانت دامغة. القيود المتوارثة الفطرية والمكتسبة هي التي تكبل الإنسان وتمنعه من رؤية الواقع كما هو لا كما يشتهيه، وتبني قراءة أقرب الى المنطق والواقعية. وهذه القيود الصلدة والمهترئة في آن معا، هي التي تجعل الإنسان يكذب ثم يكذب على نفسه ليصدق نفسه أولا، وهي التي تجعله يكذب ثم يكذب على الآخرين ليصدقوه ثانياً. وبالتالي هي التي تدفع الإنسان الى ابتداع نسخة خاصة به تتماشى مع رؤى الأقلية او الأغلبية التي تسبح في نفس الفضاء مهما كانت هذه النسخة وهمية وزائفة. والقيود التي تعيق التفكير الحر عديدة ومتنوعة، منها القيود الدينية والمذهبية والعشائرية والعوائلية والحزبية الخ. السلاسل وقضبان السجون تمنع السجناء من الحرية والحركة الفيزيائية، لكن القيود الأكثر فتكا بالإنسان هي تلك القيود الفكرية التي تحد من نشاط الدماغ وتصيبه بالشلل تقريبا. وهنا يتماهى دور العبد الطوعي المسكين مع دور سيده لا بل أن دور وذنب العبد الطوعي المصفق والموالي والمريد يضاهي ويفوق دور وذنب سيده لأنه لو لا خنوع العبيد الطوعيين لما ظهر السادة والمستبدين والفاسدين. يا فرعون مين فرعنك؟!
