Beshir Shekhee

كيف يمكن لدخيل أن يعيش عقودًا على أرضٍ واحدة، وينكر حق صاحب الأرض ولا يعرف تاريخه ولا حتى حقيقته؟!

هكذا هو حال كثيرٍ من السوريين مع الكرد. قبل الأحداث السورية لم يكن هناك سوري واحد يعرف شيئًا عن الكرد أو القضية الكردية. بل إن أغلبهم كانوا يعتقدون أن “الكردية” دين وليست قومية. وحتى اليوم، لا يعرفون عن الكرد شيئًا سوى ما حُشي في عقولهم من بقايا البعث وأفكار الدعشنة، وأضيفت إليها لاحقًا مرتزقة أردوغان وحثالة البشرية.

لذلك لا تستغرب حين ترى بعض الصحفيين أو السياسيين يملأ صراخهم مواقع التواصل، يوزعون صكوك الوطنية ويصرخون: “أنتم لاجئون، أنتم انفصاليون، أنتم قنديليون!” وعندما تسألهم ببساطة: ماذا تعني قنديل؟ يخرسون.
النكتة السوداء أن أحد “جهابذة الثورة” أجاب بكل ثقة: “قنديل شخص مش منيح!”… كأنه يعطي درسًا في التاريخ من مستوى مسابقات التلفزيون الرخيصة، حيث يتنافس المشاركون على من يكون أكثر غباءً.

يستغربون جدًا حين يكتب أحد الكرد عن التاريخ ويذكر عالمًا أو قائدًا كرديًا. وسريعًا يتدفق الذباب الإلكتروني إلى التعليقات: “الكرد ينسبون كل شيء لأنفسهم! بقي أن يقولوا آدم كردي ونوح كردي!”
لكن الحقيقة أن هذا الضجيج لا يُهين الكرد، بل يُهين صاحبه ويجعله مادة للسخرية. فالجاهل حين يسخر من المعرفة، لا يكشف إلا عن عريه الثقافي.

أيها المأزوم… مشكلتك ليست مع الكردي، بل مع نفسك.
الكردي يعرف تاريخه، يعرف أصله ونسبه، بينما أنت لا تعرف إلا ما كتبه البعث في كراساتك الصفراء. ولو كشفت حمضك النووي ستجد أنك تحمل جينات كردية أو آرامية أو ربما جينات بقايا الشعوب، أولئك الذين غزوا سوريا على مرّ العصور.

ثم تأتي لتتحدث عن “الأكثرية والأقلية”!
من هو الدخيل، ومن هو الأصيل؟
إرجع بالزمن مئة وعشرين عامًا فقط، وستكتشف أنك لم تكن سوى قبيلة رحل تبحث عن الكلأ في أراضي الكرد. ولولا البريطانيون لكنت اليوم ما زلت تجوب الصحراء وراء السراب، تبحث عن نقطة ماء.

كيف تصف نفسك “من أصحاب الأرض” وما زالت ملامح الصحراء مطبوعة على وجهك؟
كيف تنسب نفسك إلى حضارات غيرك بينما لا تملك من التاريخ سوى هباء؟

دعك من الأزياء والألحان والدبكات التي سرقتموها من الكرد، وألصقتم عليها كلمات ركيكة لا تشبه روح اللحن ولا أصالته.
حتى أسماء المدن حاولتم غسلها من كرديتها، بل الأدهى أن كتبكم المدرسية قبل مئة عام لم تكن تعرف حتى كلمة “سوريا”، ومع ذلك تتشدقون اليوم بأنكم “أصحاب الأرض”. ومن علّمكم الحروف الأولى، كان في الغالب معلمًا كرديًا أو سريانيًا.

الأرض تحفظ ذاكرة أقدامنا، بينما أنتم لم تحفظوا حتى أسماءكم.
ولأنكم عاجزون عن صناعة هوية، تقتاتون على هوية الآخرين.

والأكثر سخرية أن هناك من يريد أن يكشف عن “ثقافته الخارقة” عن الكرد…
فتشعر بالفرح أن أخيرًا هناك من يعرف الحقيقة.
وحين تسأله: ماذا تعرف عن الكرد؟
يجيب بسعادة غامرة: “زوج خالتي كردي.”
ويقفز آخر: “كان شخص كردي يخدم معي بالجيش.”
ويتباهى ثالث: “البقال الذي نشتري منه كردي!”
وكأنك حين تسأل عن الفلاسفة يقول أحدهم: “أعرف الحلاج… كان مجرد رجل بذقن طويل!”

لكن أخبروني… كيف ستقنع هؤلاء أن الملوك والأمراء الذين حكموهم كانوا كردًا؟
كيف ستقنعهم أن الإمبراطوريات التي بنت حضارة هذه البلاد كانوا كردًا؟
كيف ستقنعهم أن ملوك وأمراء هذه المدن… لم يكونوا يومًا من صحرائكم، بل من جبالنا: حلب، الشام، حماة، تدمر، بعلبك، طرابلس، القدس، آمد، ماردين، روها… ما زالت تنطق بلغتنا، رغم كل محاولات التعريب والتتريك.

كيف ستقنعهم أن القرى والمدن ما زالت تحمل أسماء كردية رغم التعريب القسري؟

وفي النهاية، ما الفرق بينكم وبين اللصوص؟
اللص يسرق بيتًا ويهرب ويختفي. أما أنتم فقد سرقتم وتربعتم مكان صاحب البيت.
لم تكتفوا بسرقة بيته فقط، بل حتى الألحان والدبكات والأزياء وأسماء المدن والتلال.

ولم يبقَ إلا أن تسرقوا جيناتكم لتقنعوا أنفسكم أنكم من أصحاب الأرض.
لكن… التاريخ لا يكتبه اللصوص، بل يكتبه أصحاب الأرض الذين صمدوا رغم كل محاولات المحو.
فالأرض لا تنسى أبناءها، حتى لو جلس على صدرها دخيل ألف عام… الماء يعرف مجراه، والتاريخ يعرف أصحابه، واللص مهما طال مقامه… يبقى دخيلًا في أرض لا تخصه.