Beshir Shekhee
منذ أكثر من ألف عام، اختلف المفسرون في هوية “ذو القرنين”.
قال الطبري وابن كثير والقرطبي: هو الإسكندر المقدوني.
وقال آخرون: هو الملك الأخميني كورش الكبير.
وقال فريق ثالث: بل هو ملك يمني من حمير.
لكن وسط هذه الروايات، غاب اسم بطل أسطوري حمل صفات “ذو القرنين” بدقة مذهلة: رستم زال، البطل الأسطوري الكردي.
في ملحمة الشاهنامة للفردوسي، يظهر رستم بخوذته يعلوها قرنان، رمز للبطولة والجبروت، وهو نفس الرمز الذي نجده منذ آلاف السنين عند ملوك سومر وإيلام وميديا وميتاني، حيث كانت القرون شعار السلطة والقدرة على الحكم بين الشرق والغرب.
أليست هذه هي ذاتها صورة “ذو القرنين” في الآيات؟
ذاك الذي جاب المشارق والمغارب، وبنى السد في وجه يأجوج ومأجوج؟
وليس هذا تشابهًا في الشكل فقط، بل في جوهر الحكاية:
رستم واجه الوحوش في الأدغال، وقاتل الجنّ وملكهم ميرزا، وربطهم إلى الأشجار كأنهم أسرى الريح.
قاتل كبير الأبالسة آرجنك عند الكهف، وقتله بكرزه الحديدي وحرّر الملك كيكاوس.
وفي واحدة من أعظم المآسي الإنسانية، قتل رستم ابنه زوهراب دون أن يعرفه، ثم اكتشف الحقيقة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. مشهد هزّ القلوب حتى أن بوليوود والسينما الصينية اقتبستاه عشرات المرات.
ميديا: الاسم الذي محته السيوف وخلّدته الأساطير
لكن صورة “ذو القرنين” لا تتوقف عند الشاهنامة، بل تتجلى أيضًا في سفر دانيال:
حيث يظهر الكبش ذو القرنين، ينطح غربًا وشرقًا وجنوبًا، في إشارة إلى توسّع الإمبراطورية الأخمينية.
القرنان هما: ميديا وفارس.
لكن أحد القرنين كان أعلى: أي أن الأخمينيبن تغلّبت على ميديا.
فكورش الكبير، ثار على جده الميدي أستياك، وانتصر عليه، فانهارت ميديا، وصعدت فارس على أنقاضها.
منذ تلك اللحظة، ابتلعت فارس الإرث الميدي، وبدأت تبني إمبراطوريتها على حساب هوية الميديين، حتى صار اسمهم يتلاشى من صفحات التاريخ بينما ظل اسم فارس يتضخم.
إنه رمز مزدوج: قرنان متجاوران، لكن أحدهما قام على انقاض الآخر، وهذا تمامًا ما حدث في التاريخ.
لكن السقوط السياسي لم يمحُ الميديين.
فالميديون الذين كانوا نواة الكرد الأوائل، تركوا إرثهم في الأساطير والبطولات: رستم، زال، سياووش… هؤلاء ظلّوا أحياء في ذاكرة الشعوب، ينطقون بلسان كردي حتى لو كُتبت حكاياتهم لاحقًا بالفارسية.
لقد محا السيفُ اسم ميديا من الكتب، لكن الذاكرة الشعبية احتفظت بروحها، في الملاحم والغناء الكردي، وفي القصص التي تناقلها الأجداد حتى صارت جزءًا من هويةٍ أعمق من الممالك.
وهكذا تتضح الصورة:
القرنان لم يولدا في الكتب المقدسة، بل عاشا أولًا في الأساطير، حيث كانت القرون شعار الملوك والآلهة منذ سومر وإيلام، مرورًا بميديا، وصولًا إلى فارس.
ثم دخلت هذه الرموز في النصوص المقدسة، فغدت قداسة بعد أن كانت أسطورة.
ويبقى السؤال الذي يصفعنا:
هل التهمت الكتب الأساطير لتجعلها مقدسة؟
أم أن الأساطير نفسها ارتقت وصعدت حتى أصبحت كتبًا؟
في الحالتين، يظل رستم زال شاهدًا خالدًا على أن الحقيقة أوسع من النصوص، وأن التاريخ لا يُكتب بالكتب وحدها، بل بالذاكرة التي لا تموت، حتى لو حاول السيف أن يمحوها.

