Beshir Shekhee


(حين يُربّى الشعب على لونين فقط ولم يرى سوى رأس ديك)

أخطر سلاح اخترعته الديكتاتوريات ليس السجن ولا المقصلة… بل تربية شعب على جهل مقدس.

أنا لا ألوم السوريين ولا العراقيين، ولا حتى تلك الدول التي اخترعت على حساب الشعوب الأصيلة ومن ثم تم تعريبها وسميت بالدول العربية وعاشت في قفص العروبة. هؤلاء لم يُمنحوا فرصة أن يعرفوا الحقيقة. تربّوا في مدارس الديكتاتوريات التي صنعت لهم أوهامًا: “عدو خارجي”، “بطولة قومية”، “تاريخ وهمي”، بينما الحقيقة مُسحت كما تُستأصل جذور شجرة عتيقة وتُزرع مكانها أعشاب اصطناعية.

لقد خلقت هذه الديكتاتوريات شعوبًا أشبه بالأعمى الذي لم يرَ في حياته سوى الظلام. وحين تجرأ حكيم أن يفتح له عينيه للحظة، لم يرَ إلا رأس ديك أمامه، ثم عاد أعمى من جديد. ومنذ ذلك اليوم صار كل قاموسه البصري “رأس ديك”.

إذا تحدّث الناس عن الطائرة، سأل: “هل هي بحجم رأس الديك؟”
إذا قالوا له قطار، أجاب: “وهل يشبه رأس الديك؟”
لقد صار رأس الديك مقياسه الأزلي، وبوصلة وعيه الوحيد.
صار رأس الديك وطنًا، ودستورًا، وعقيدةً لا تُمس.

وهكذا حال هذه الشعوب: تربّت في عتمة أنظمة جعلتها لا ترى من العالم إلا “رأس الديك” الذي صنعته لهم — رأس القائد، رأس الطائفة، رأس الحزب. وكلما حدّثتهم عن حضارات، عن حقوق، عن قوميات، عن عالم مختلف، قارنوه بمقياسهم الوحيد: “رأس الديك”.

في كتبهم لا وجود لكلمة “كرد” ولا كلمة “أمازيغ”. وكأن هذه الشعوب لم تكن!!
بل نُسبت كل إنجازاتهم وأبطالهم للعروبة والفرس.
وكأنك تُعلِّم طفلك أن الألوان الأساسية اثنان فقط: الأزرق والأحمر، وتحذف الأصفر من وجوده. سيكبر وهو مقتنع أن العالم ثنائي اللون، حتى إذا رأى الأصفر لأول مرة، ارتعب وظنه دخيلًا!
حين يُمحى اللون الثالث، يُمحى نصف الحقيقة.
إنها مأساة جيل كامل عاش في الأوهام والجهل!!

في الثمانينيات كانت إذاعتهم الوحيدة أشبه بقرصان يبيع الوهم:
حوّلت الطغاة القذرين إلى “أبطال”، والفلاسفة الأحرار إلى “كفرة”.
قالوا: الغرب سرق علومنا، ونحن أصحاب الفضل على البشرية!
كأنهم اخترعوا الذرة… بينما هم كانوا يعيشون في الخيم تائهين في الصحراء القاحلة!!

حتى لبنان حين تجرأ على الخروج من قوقعة “العروبة الرسمية” وصار منفتحًا ومتقدّمًا، شُوّهت صورته. صوّروه “شعب يخاف من ظله ورجاله ناعمو الأيدي”، فقط لأن بشير الجميل تجرأ على التحرر من الجهل والعروبة. والجواب كان الاغتيال، لأنهم يخافون من كل من يجرؤ أن يكسر قيدهم، ولأنهم كانوا يعلمون بأن اللبناني مثقف وجبار.

ثم جاء الهاتف المحمول. عندها ارتبكوا:
قالوا إنه يسكنه الجن!
قالوا إنه تجسس ضد الدولة!
أما سوريا فاعتبرته عدوًّا بعثيًّا، فصار شعبها آخر من يمسك بهاتف وكأنها آخر قبيلة خرجت من العصر الحجري.
تخيل أن العالم كان يرسل صورًا إلى الفضاء، بينما هم كانوا يتجادلون: “هل الهاتف حلال أم حرام؟”

واليوم جاء الإنترنت. صار لكل فرد منبر. فجأةً ظهرت الأصوات: “أنا كردي أنا أمازيغي”، “أنا أطالب بحقي”.
وهنا كانت الكارثة بالنسبة لهم:
شعوب تربّت على لونين فقط، رأت الأصفر لأول مرة.
انصدموا، صاحوا: “من أين جاء هذا اللون؟ دخيل! لم نسمع به من قبل!”
كأنهم رأوا مخلوقًا فضائيًا هبط من السماء، لا مجرد حقيقة حُجبت عنهم عمدًا.

الآن يملأ صراخهم مواقع التواصل الاجتماعي: من هم الكرد؟ “أين كانت دولتهم؟ أين هي حضارتهم؟ أين آثارهم؟”
ولا يعلمون بأن هذه القلاع والحصون كلها من بناء أجداد الكرد، وبأن أمراءهم وحكامهم كانوا كردًا، وبأن أرض الكرد هي مهد البشرية!!
ولا يعلمون أن الذين حموا هذه الأرض كانوا ملوكًا وأباطرة كردًا منذ اثني عشر ألف عام.

أما هم، فتاريخهم بدأ منذ مئة عام فقط… عندما أخرجهم الاستعمار من الخيم ووزع عليهم دولًا من ورق.
ولليوم، ما زالوا يتشاجرون: من الأحق بالورق؟ ومن الأحق بالختم؟ ولم يروا سوى رأس ديك لا غير؟

ومن لم يترك أثرًا على هذه الأرض سوى خيمة، سيبقى يعبد رأس ديك… ويظن أنه التاريخ كله.