جوان ديبو
وجود القيم المشتركة بين الأفراد هو الذي يولد المجتمعات والدول المتماسكة، وغياب القيم المشتركة بين الأفراد الذين يشكلون المجتمعات هو الذي يؤدي إلى تفككها وانهيار الدول التي تحكمها. القيم هي مجموعة المبادئ والمعتقدات والمعايير السلوكية التي تقود الأفراد والمجتمعات نحو ما يعتبرونه إيجابياً وضرورياً ومصيرياً. وقد تكون القيم إجتماعية وثقافية وأخلاقية ودينية وإقتصادية الخ. وهذه القيم تتباين بتباين الثقافات. بعبارة أخرى، القيم هي ما نؤمن به وهي الدوافع التي تحركنا للعمل وتحقيق الأهداف، وهي البوصلة التي تدفعنا لاختيار النموذج الذي نرتضيه لأنفسنا، وبالتالي القيم هي التي تشكل هويتنا وتحدد سلوكياتنا وقراراتنا. في سوريا مثلا، غياب القيم الثقافية والإجتماعية والأخلاقية المشتركة بين الكُردي والعلوي والدرزي من جهة وبين الحكام الدواعش في دمشق من جهة ثانية هو الذي يمنع حصول التوافق بين هذه المكونات من جهة وبين السلفيين الجهاديين من جهة أخرى. هذه المكونات تؤمن بالتعددية وبالحريات الفردية والمدنية والإجتماعية والسياسية والثقافية المستمدة من الفلسفات والعلوم، والتي لا تتحقق إلا بنموذج اللامركزية والفيدرالية في الحكم، بينما الحكام الدواعش في دمشق سلفيين جهاديين مستبدين يؤمنون بشريعتهم التي ترجع إلى أكثر من ١٤ قرناً وبتطبيقها عنوة على بقية المكونات التي لا تؤمن بنموذجهم المنقرض في الحكم. القيم المشتركة هي التي ولدت الحروب البينية بين الدول والكونية بين الدول والقارات وهي التي أدت إلى ولادة الإتحاد الأوربي، وغيابها أدت إلى انهيار الإمبراطوريات والدول المترامية الأطراف. وجود القيم المشتركة هو المدماك الأول في عملية البناء الطويلة والمعقدة وغياب القيم المشتركة هو السبب الأول والرئيسي وراء الإنقسامات والانهيارات.
