وليد طاهر

مبدأ “الثالث المرفوع” هو قاعدة منطقية وفلسفية تقول: “إما أن يكون الشيء موجوداً أو غير موجود، ولا ثالث بينهما”. في السياسة، يتم أحياناً توظيف هذا المبدأ بطريقة إقصائية: إما أن تكون مع السلطة أو ضدها، دون فسحة لموقف وسطي أو لهوية مركبة. في السياق السوري، تبرز هذه الإشكالية بوضوح في تعامل سلطة دمشق مع المكونات غير العربية، وخاصة الكرد.

منذ عقود، تتبنى السلطة في دمشق خطابًا يقوم على مركزية الدولة الواحدة والشعب الواحد، وهو ما يترجم عملياً في سياسات التهميش الثقافي واللغوي والسياسي للمكون الكردي، باعتبار أي مطالب بهوية قومية أو ثقافية مستقلة تهديداً لوحدة الدولة. هذا الموقف يعكس تطبيقًا قسريًا لمبدأ “الثالث المرفوع”: إما أن تكون كرديًا متماهياً بالكامل مع هوية الدولة الرسمية، أو تُصنَّف كعامل تفكيك وانفصال.

في الواقع الراهن، ومع تعقيدات الوضع السوري بعد 2011، برزت محاولات كردية لتأسيس إدارة ذاتية ديمقراطية في شمال وشرق سوريا، تقوم على مبدأ الإعتراف بالتعدد القومي واللغوي. إلا أن دمشق ما تزال ترفض الإعتراف بهذه الصيغة، وتصر على العودة إلى المركزية الصارمة، مما يعمق الإنقسام ويغلق الباب أمام أي تسوية عادلة وشاملة.

إن تجاوز منطق “الثالث المرفوع” في الحالة السورية يتطلب الإنتقال من ثنائية الإقصاء إلى قبول التعدد، ومن حصرية الدولة إلى شراكة حقيقية بين مكوناتها، بما فيهم الكُرد، على أساس المواطنة المتساوية والإعتراف بالحقوق القومية والثقافية.