Beshir Shekhee

في الحارة الشرقية، كنّا نخرج إلى أطراف الطبيعة، فنسمع أصوات أجراس المواشي وهي ترعى بلا حارس، وكأن الأرض أمّها، وكأن الهواء وصيّها.
وفي كل صباح، تُفتح الدكاكين على رائحة اللبن والخبز الطازج، بينما يصيح باعة الخضار بأسماء الفواكه والخيرات، فتختلط أصواتهم مع شمس النهار كأنها لحن واحد.

وعصرًا، يمرّ “أبو جوني” على الأحياء. لا يحمل مذياعًا ولا مكبرًا من البلدية، فقط دراجته اليامها وصوته:
“يا جماعة… وقت التنظيف!”
فتخرج النساء بالمكانس، وتنزل الفتيات بسطول الماء، ويركض الأطفال بين الأرصفة وكأنهم يؤدّون طقسًا مقدّسًا اسمه: نظافة الحي مسؤولية القلب.

وعند المغرب، يظهر “نسرتو”. لا يحمل بندقية، بل ملصقات لأفلام هندية وفرنسية:
“سينما كذا… تعرض اليوم فيلم شامي كابور.”
فنذهب لنحلم… داخل قاعة من كراسي الخيزران، نضحك حين يتأخر العرض، ونصفّق كأننا نشارك الأبطال على الشاشة. كانت السينما لنا وطنًا صغيرًا، نعلّق فيه قلوبنا على السقف.

وفي الحارة الغربية، كانت الأرض تُرشّ بالماء، وتفوح منها رائحة التراب.
هناك، كان السريان يجلسون على الزوايا، كأنهم عطر قديم سكبه الزمن على الرصيف: حديث هنا، ضحكة هناك… وكل زاوية لها موسيقاها وذاكرتها.
الأطفال على البسكليتات، الشباب يضحكون كأنهم يعانقون الهواء، ورائحة “بخجة سعدونكي” تملأ الحيّ كأنها ختم المدينة، رائحة لا تشبه إلا درباسية.

كرد، سريان، أرمن… لم يكن أحد يسأل الآخر عن دينه.
فالهوية كانت في العيون، لا في البطاقات.
والأخلاق لم تكن فتاوى، بل تربية.
والشارع لم يكن فخًا… بل حضنًا.

وكل يوم، يطلّ “أبو آرمين” ساعي البريد. دراجته تعرف الأحياء أكثر منه. كان يدقّ الأبواب لا ليأخذ توقيعًا، بل ليسلّم رسالة من ابن مهاجر، أو بطاقة من خالة نسيت اللغة ولم تنسَ المحبة.
كان البريد آنذاك أشرف من الوزارة… وأصدق من التلفاز.

وفي الأعياد؟
كنا نقف عند باب “محطة الدرباسية”، ذاك الباب الذي قطعه سايكس-بيكو بسكين سياسي صدئ إلى نصفين: نصف المدينة صار سوريا، ونصفها الآخر صار تركيا.
كنا نلتقي أقاربنا من خلف الأسلاك الشائكة، نلوّح لهم، نرمي الهدايا فوق الحدود، والقبلات تسافر في الهواء.
الأمهات يمددن أيديهن عبر السياج… تُعطي واحدة قطعة قماش أو كيس شاي، فتعود إليها حفنة تبغ… أو “سنجق” حلو المذاق. ونرسل السلام للجدات.

هكذا كانت درباسية:
مدينة تعيش “نحن” بلا ضجيج، بلا شعارات، بلا خوف.

لكن… جاء من سرق الابتسامة باسم “الوحدة القومية”.
جاء من حوّل السينما إلى وكر حزبي، وحوّل دراجة الطفل إلى “جيب عسكري”، وجعل الرصيف خائفًا من همس الأقدام.

ومع ذلك، رغم كل ما حاولوه… رغم الفتن والشتائم المؤدلجة وتفتيت الألفة… بقينا نحترم بعضنا، نحب بعضنا، ونتمسّك بحقيقة واحدة:
أننا لم نكن أقليات… كنا الأصل.

المدن يا صديقي ليست بيوتًا ولا شوارع، بل ذاكرة أخلاقية.
وإن ضاعت الأخلاق، تحولت البيوت إلى حجارة، والشوارع إلى متاهات.
أما درباسية، فقد كانت أكثر من مدينة: كانت حضن الأمومة… والأم لا تساوم على أولادها.

قد يُمحى الاسم من الخرائط، وتُغلق السينما، ويصير البريد رقمًا على شاشة… لكن رائحة بخجة سعدونكي، وصوت أبو جوني، وضحكة نسرتو، ودمعة الأمهات عند السياج… هذه لا تذوب.
إنها بوصلة الروح، التي تقول لنا كل يوم:
لم نكن غرباء في أرضنا، ولم نكن أقليات… كنا الأصل، وما زلنا.