Beshir Shekhee
في التسعينيات…
كنتُ أملك فرناً، وحصتي من الطحين لا تكفي كل الزبائن. ومن أراد الخبز لعائلته، كان عليه أن يقف عند الباب قبل الفجر، وإلا عاد خالي اليدين.
في صباحٍ مرهق، دخل رجل خمسيني وقال أمام الحاضرين:
– أريد خبزاً… أولادي ينتظرون.
أجبته: لا يوجد خبز.
فأشار إلى الطاولة حيث كان الخبز مكوّماً وقال: وما هذا؟ أليس خبزاً؟!
قلت: هذا لأصحاب الاشتراكات الشهرية.
فلم يفهم قصدي، واشتعل غضبه:
– يعني ترفض أن تعطيني خبزاً؟! تريد أن يذهب أولادي إلى المدرسة بلا إفطار؟ والله لن أخرج قبل أن آخذه!
كنت مرهقاً، قلت بعناد:
– ليس عندي فائض… اذهب إلى فرن آخر.
غادر متوعدًا:
– سأشتكيك للشرطة!
لم أبالِ وقلت: افعل ما تشاء.
خرج بخطوات غاضبة، وتبعه أحد الشبان ليراقبه. وبعد دقائق عاد وقال لي: لقد دخل الرجل إلى مديرية الأمن.
تجمدت في مكاني. أعرف جيداً ماذا يعني أن يشتكي شخص على كردي لدى الأمن : إذلال، إهانة، وربما سجن. سبق أن دفعت ثمن موقفي في السجن، وكنت مستعداً أن أكرره على أن أُهان بين ناسي.
وبينما أنا غارق في التفكير، عاد الرجل الخمسيني. وقف بين الحاضرين وقال بصوت مبحوح بالغضب والمرارة:
– سأعود إلى أولادي بلا خبز.
ثم التفت إلى الجميع:
– والله يا جماعة وقفت أمام باب المديرية طويلاً. كنت أريد أن أشتكيه… لكني لم أستطع. لم يطاوعني قلبي أن أطلب من محتل غريب أن يؤذي ابن دمي وأرضي. هؤلاء غرباء… مغتصبون لأرضنا، ولا يمكن أن أكون عوناً لهم على أخي الكوردي.
ثم نظر إلي مباشرة:
– حتى لو مات أطفالي من الجوع، لن أؤذيك أمام الغريب.
وقعت كلماته كإبرة انغرست في قلبي. غصّ صوتي، فالتفت إليه وقلت:
– سامحني يا عم… اعتبرني ابنك. نحن أهل.
ناولته خبزاً من حصتي وحصة عائلتي. أخذه ومضى، وهو لا يعلم أنني تركت بيتي بلا خبز من أجل كرامته.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت كلماته دستوراً في داخلي:
“لا يمكن لكوردي أن يؤذي كوردياً.”
ليست مجرد عبارة، بل ميثاق شعبي، وحقيقة تسقط أمامها كل خرائط سايكس ـ بيكو، وكل فتن الإحتلال.
قد يسرق الغريب أرضنا، يسجن أبناءنا، يزوّر أسماءنا… لكن ما دام هناك كوردي يرفض أن يُذل أخاه أمام الغريب، ستظل كوردستان حية فينا، مهما تمزقت خرائطها.

