جوان ديبو
ما حدث ويحدث في سوريا منذ زمن بعيد يحيلنا الى محاولة استقراء مفهوم الدولة الحديثة وفق نظرية الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس ڤيبر.
يوضح ماكس فيبر بأن مصادر مشروعية ممارسة الدولة لسلطتها على الأفراد (الشعب) تتجسد في ثلاث مصادر: سلطة الأمس الأزلي، السلطة الكاريزمية، والسلطة الشرعية. سلطة الأمس الأزلي تعتمد على الماضي وما يتضمنه من عادات وتقاليد ولا تنطلق من الحاضر وخصوصيته ومتطلباته. السلطة الكاريزمية وهي خاصة بمزايا ومناقب قائد معين دون غيره قد يكون رسولاً أو رئيس قبيلة أو ملك أو رئيس حزب يشكل مع مرور الزمن أتباع ومناصرين ومريدين. السلطة الثالثة والأخيرة وهي السلطة الشرعية التي لا تُستمد من الماضي ولا من القائد الفرد وإنما من الشرعية النابعة من العقل الذي ينتج بدوره القانون. لكن ڤيبر يوضح بأن السلطة الشرعية التي تعتمد على العقل ومنتجه القانون، والتي يسميها بالدولة الحديثة، تتطلب مستويات معينة من التحضر والتمدن حتى تتحول الى شيء من الطبيعيات والمسلمات. وهذا بدوره لا يتأتى من فراغ وإنما نتيجة تراكمات وتكدسات معرفية ونهضوية يُخرج المجتمع من الهمجية والبدائية والبداوة الى مرحلة متطورة ومركبة ومعقدة سمتها الأساسية التحضر والتمدن والتموضع على سكة العصر.
الدولة ثقافة قبل أن تكون إقليم جغرافي يضم بشراً (شعب)، وهذه الثقافة تولد النتاجات النظرية والعملية والسلوكيات والعادات والتقاليد التي تعكس مستوى التطور والتمدن الذي بلغه البشر القاطنين في ذلك الإقليم الجغرافي. وهذا بدوره يولد ما تسمى بالحضارة. وبالتالي، كل من يفتقر إلى مقومات وأسس ثقافة بناء الدولة الحديثة والعصرية لا يمكن له تشييد دولة وفق المعايير الحديثة والعصرية، والتي من شأنها البقاء والصمود في ظل النظام الدولي الفوضوي.
يبقى السؤال: إذا كانت سوريا، ونحن في القرن الحادي والعشرين، ما زالت تعيش الحرب الأهلية منذ ٢٠١١ والى الآن، إذا أين وكيف هو مفهوم الدولة في اعتبارات وبرامج ومخيلات القوى السياسية السورية ولا سيما لدى الفاتحين الإسلاميين الجدد؟ وما هي آفاق بناء الدولة في هذا البلد الذي تم تجميعه وترقيعه وتركيبه قسريا وفق إرادة الآخرين. باختصار، الدولة الحديثة هي مفهوم وتطبيق غربي، لذلك يتعثر تطبيقه في الشرق الأوسط ولا يستقيم كثيراً مع العالمين العربي والإسلامي.
