جوان ديبو

يعرف ماكس فيبر الدولة بأنها “مجموعة بشرية تدعي -بنجاح- احتكار الاستخدام المشروع للعنف ضمن إقليم معين”.
الإشكالية والجدل هنا يدور حول صفة “المشروع” التي تضفي المشروعية على دولة معينة “دولنة سلطة معينة” أو تنفيها.
في هذا السياق، برز تاريخياً عدة نماذج للدولة، يمكن تصنيفها ضمن فئتين: دولة تحكم وفق القانون والدستور والمؤسسات على أساس فصل السلطات والانتقال السلمي لها بين المنافسين استنادا إلى صناديق الاقتراع، وهذا ما قصده ماكس فيبر وغيره من الفلاسفة والمفكرين حول هذا الموضوع، مقابل الفئة الثانية من الدول والتي يحكمها الأفراد والعوائل والعشائر والأسر والاحزاب على اساس الإطار الشكلي والظاهري فقط للدولة والمفروغ من الجوهر والمضمون.
الملفت للنظر هنا بأن معظم او جميع الدول الناجحة في العالم ولدت بعيداً عن تواجد او تأثير القادة المستبدين او الأحزاب او العوائل والعشائر والأسر. على سبيل المثال، عندما قامت ثورة الاستقلال الأمريكية بين ١٧٦٥ و ١٧٨٣، لم يكن هناك شيء اسمه الحزب الديمقراطي او الحزب الجمهوري. الأول تأسس سنة ١٨٢٨ والثاني سنة ١٨٥٤، والذين ألهموا الثورة الأمريكية وأصبحوا فيما بعد المصادر الرئيسية للدستور الامريكي كانوا من الفلاسفة والمفكرين مثل جون لوك وتوماس باين وغيرهم. وعندما اندلعت الحرب الأهلية الانكليزية بين ١٦٤٢ و ١٦٥١ بين أنصار الحكم البرلماني وانصار الحكم الملكي، لم يكن هناك وجود لحزب المحافظين الذي تأسس سنة ١٨٣٤ أو لحزب العمال الذي تأسس سنة ١٩٠٠. والذين ألهموا الثورة الفرنسية بين ١٧٨٩ و ١٧٩٩ هم مونتسكيو وفولتير وجان جاك روسو وغيرهم ولم يكن هناك اي وجود لأي حزب فرنسي.
بالمقابل، جميع “الدول الفاشلة” حالياً هي نتاج الأحزاب والقادة المستبدين والعوائل والعشائر والأسر. الناصرية في مصر والبعث في سوريا والعراق وحكم الأسر والعوائل في غيرها.
الحزب والقائد والعشيرة والعائلة والاسرة لا يستطيعون بناء الدولة وفق المقاييس الفلسفية والأكاديمية والعصرية للمصطلح والتي يمكن أن تدوم لعقود وقرون، لأنهم ببساطة يريدون دولة وفق مقاساتهم ومصالحهم الخاصة، والتي مهما دامت نتيجة القهر والترهيب إلا أن مصيرها الزوال لا محالة.