د.خيرالدين حسن

في الأعماق المظلمة للكهوف، وفي الزخارف النابضة على جدران البيوت القديمة، وعلى أنوال السجاد الكردي العتيق، تعيش أسطورة تتحدى الزمن. إنها ليست مجرد قصة خيال، بل هي بصمة فلسفية عميقة، ومرآة عاكسة لوعي شعب وروحه. إنها أسطورة شاهيميران (Şahmaran) – ملكة الأفاعي، حارسة الأسرار، والوجه الآخر للمعرفة والغدر.

اللغز والتشريح.. تفكيك رمزية الاسم والشكل

شاهيميران، وهي كلمة مركبة من الكردية: “Şah” (ملك/ملكة) و “Mar” (أفعى) و “an” (صيغة جمع)، مما يمكن ترجمته حرفيًا إلى “ملكة الأفاعي”. هذا الاسم ليس تسمية عابرة، بل هو بيان لقوة وسلطة غامضة.

شكلها الهجين هو لبُّ لغزها: نصف أنثوي علوي يمتاز بجمال آسر وملامح ملكية تبعث على الهيبة والوقار، ونصف سفلي لأفعى عملاقة، ملتفة وقوية، ترمز إلى العالم السفلي والأرض والأسرار البدائية. هذا المزيج بين الجمال المألوف والغرابة المرعبة هو ما يجعلها أيقونة فريدة، تجسد الازدواجية الكاملة: الجمال والقسوة، الحكمة والخطورة، القداسة واللعنة.

في أعماق التاريخ.. الجذور ما قبل الإسلامية وأثر الديانات القديمة

لم تولد شاهيميران من فراغ. جذورها الضاربة في التاريخ تعود إلى عصور سحيقة، حيث كانت الأفاعي تمثل رموزًا مقدسة في المعتقدات الزرادشتية والميثرائية المنتشرة في Kurdistan. هناك، كانت الأفعى رمزًا للخلود (لاقترابها من الأرض، مصدر الحياة)، والحكمة (لدهائها)، والشفاء (لتجدد جلدها). شاهيميران هي تجسيد متطور لهذه المعاني، أم كبرى (Mother Goddess) تحمي عالمًا سريًا تحت أقدامنا.

انتقلت الأسطورة عبر آلاف السنين عن طريق الرواية الشفوية، وهي السمة الأساسية للحفظ الثقافي الكردي، مما أضاف عليها طبقات من التفاصيل والتعديلات، لكن الجوهر بقي صامدًا. ورغم انتشارها في الثقافات المجاورة (الفارسية والتركية والعربية في سوريا والعراق)، احتفظ المخيال الكردي بأكثر النسغ غنى ووفاءً للأصل.

الحكاية الأبدية.. سردية الخيانة والعبقرية المأساوية

في قلب كل أسطورة، تكمن قصة إنسانية خالدة. رواية شاهيميران، رغم تعدد تفاصيلها، تلتقي حول المحطات الرئيسية التالية، التي تشكل هيكلاً دراميًا مكتملاً:

  1. اكتشاف العالم السفلي: بطل القصة، الشاب جمشاب (Jamshab)، يكتشف عن طريق الصدفة (أثناء جمع العسل أو مطاردة حيوان) مدخلًا إلى عالم تحت الأرض، هو مملكة الأفاعي.
  2. لقاء المصير: هناك، يلتقي بـ شاهيميران، الكائن الحكيم والقديم الذي يعرف أسرار الطبيعة، الطب، والنباتات. تروي له تاريخها وحكمة قومها.
  3. عهد محفور بالسر: ينشأ بينهما حب أو صداقة عميقة. تسمح له بالعودة إلى عالمه (السطح)، ولكن بعد أن يأخذ عليها عهدًا أبديًا بعدم كشف مكانها وسرها لأحد.
  4. المأزق الأخلاقي: في العالم العلوي، يمرض الحاكم (ملك أو سلطان) بمرض عضال. يُكشف أن العلاج الوحيد هو دواء يستخرج من جسد شاهيميران (لحمها، دمها، أو دهنها).
  5. صراع القلب والواجب: يقع جمشاب في فخ المعضلة الأخلاقية الكلاسيكية: بين إنقاذ حياة حاكم عالمه والوفاء بعهده لملكة عالمها. تحت ضغط المجتمع أو التهديد، ينهار ويخون عهده، ليكشف السر.
  6. المأساة والوصية: تقع شاهيميران في الفخ، وتُقتل. لكن قبل موتها، تترك وصية أخيرة:
    “لا تؤذوا الأفاعي أبدًا، فهي تحمل جزءًا من روحي وحكمتي. من يقتلها سيجلب عليه الشقاء”.

هذه النهاية لا تقتل الأسطورة، بل تخلدها، محولة إياها إلى درس أبدي.

شاهد على الثقافة.. التمظهر في الحياة المادية والروحية

لم تبقَ شاهيميران حبيسة الحكايات، بل تجسدت في الثقافة المادية الكردية كشاهد على حضورها القوي:

* الفنون والحرف: ظهرت كموتيف رئيسي في نقوش البيوت الحجرية في مدن مثل آمد (دياربكر) وماردين، وكمنمنمة على السجاد والكليم الكردي، حيث كانت تُنسج بخيوط ملونة تحكي قصة ألفية.
* المعتقدات الشعبية: تحولت وصيتها إلى قانون أخلاقي شعبي. لا يزال الكثير من الكرد، خاصة في الأرياف، يمتنعون عن قتل الأفاعي، وخاصة الصغيرة منها، معتبرين إياها “أبناء شاهيميران” (Bûkê Şahmaranê)، مما يعكس تأثير الأسطورة المباشر على السلوك البيئي والاجتماعي.
*رمز الحماية: توضع صورتها أو رمزها في البيوت ليس للزينة فحسب، بل كـ تميمة للحماية، وطلبًا للبركة وطول العمر، مستمدين من رمزيتها ككائن خالد.
تحليل ما تحت السطح.. المغزى الفلسفي والسوسيولوجي

يمكن قراءة أسطورة شاهيميران على مستويات متعددة أعمق من السرد القصصي:

– صراع المعرفة والسلطة: تمثل شاهيميران المعرفة البدائية المكنونة، بينما يمثل الملك السلطة القائمة. القصة تطرح سؤالًا أزليًا: ماذا يحدث عندما تطلب السلطة (الملك المريض) الاستيلاء على المعرفة (شاهيميران) وتدميرها لأجل مصلحتها؟
– الخيانة والعواقب: الخيانة هنا، حتى لو كانت بدافع “إنقاذ” ظاهري، تؤدي إلى خراب روحي. إنها إدانة لكسر العهود وإخبار الأسرار، وهي قيمة أخلاقية عليا في المجتمعات التقليدية.
– الازدواجية والكمال: شكل شاهيميران الهجين هو تصور لـ الكمال المطلق؛ اتحاد العقل (الأنثى) والغريزة (الأفعى)، السماوي والأرضي. إنها دعوة لرؤية العالم beyond الثنائيات البسيطة للخير والشر.

الخاتمة: أكثر من أسطورة.. هوية تتحدى النسيان

شاهيميران لم تمت. كل حكاية تُروى، كل سجادة تُنسج، كل أفعى تُترك في سلام، هي إحياء لروحها. في ظل التحديات التي واجهها الشعب الكردي، تتحول هذه الأسطورة إلى استعارة قوية: فهي، مثل الذاكرة الكردية، تعيش في الأعماق، قوية وحكيمة، تتعرض للخيانة أحيانًا، لكنها ترفض الموت. إنها تذكير بأن الأساطير ليست ترفيهًا، بل هي وعي جمعي متجسد، وسجل فلسفي لشعب، وقصة خلوده.