ق.ق.ج


فواز عبدي

في مقهى عتيق يطل على ساعةٍ متوقفة منذ خمسين عاماً أو أكثر، جلس بثياب فاقعةٍ غريبة تشبه إعلاناً ضائعاً أكثر مما تشبه ثياباً.
لم ينتظر سؤالاً، لم ينتظر موضوعاً، فقط استنشق الهواء سريعاً وقال:

  • هل تعرفون أنني أنا أول من …
    جاء النادل ليأخذ الطلب، تمتم مرتبكاً: “قهوة سادة؟”
    لكن الرجل مدّ يده كمن يوقّع على مرسوم سماوي:
  • أنا أول من شرب القهوة في هذا الكوكب.
    ضحكت الطاولة المجاورة. لم يسكت.
  • أنا أول من ضحك في الحارة. قبلي ما كانوا يعرفونه.
    حتى الصمت الذي حلّ فجأة لم يتركه بسلام:
  • وأنا أول من اخترع الصمت.
    في زاوية المقهى، كانت هناك مرآة بإطار صدئ. حين نظر إليها، وجد نفسه يبتسم ابتسامة متورّمة. المرآة أشفقت عليه وقالت بلطفٍ زجاجي:
  • لكنني كنت هنا قبلك ورأيت وجوهاً كثيرة غيرك.
    ارتبك للحظة، ثم رفع سبابته كمن يعلن بداية عصر جديد:
  • أنا أول من يرى مرآة تتكلم.
    وبهذا، ظلّ يطارد “الأول” حتى صار آخر من يُصدَّق.