د.خيرالدين حسن
🌍 في عالم السياسة الدولية، حيث تتقاطع المصالح مع التناقضات، يبرز فيديو حديث لقاء بين الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس – قائد القوات الأمريكية السابق في العراق – والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبو محمد الجولاني). ليس هذا اللقاء مجرد حوار عابر، بل هو مرآة تعكس جوهر سياسة أمريكا: العمل وفق المصالح الخاصة فقط، مهما كانت التناقضات. للناس الذين يمتلكون ذاكرة قوية كالفولاذ، هذا الفيديو ليس عن “حقيقة أحمد الشرع”، بل عن حقيقة أمريكا نفسها – دولة تُعيد تدوير “الإرهاب” كأداة سياسية، كلما اقتضت المصلحة.
اللقاء الذي يكشف التناقضات: بترايوس والشرع في نيويورك
في 23 سبتمبر 2025، خلال زيارة الشرع الأولى إلى الأمم المتحدة في نيويورك، جلس الرجلان وجهاً لوجه. بترايوس، الذي قاد حملة أمريكية شرسة ضد الجماعات الإرهابية في العراق، قال كلمات صريحة: “كنا على ساحة المعركة يومًا، واليوم نلتقي في حوار”. هذه الكلمات ليست مجاملة، بل اعتراف ضمني بتغيير الدور: الشرع، الذي كان قائدًا في هيئة تحرير الشام (مصنفة إرهابية سابقًا)، أصبح اليوم رئيسًا انتقاليًا يُستقبل في قاعات الدبلوماسية الأمريكية.
لكن دعونا نعود إلى الجذور. الشرع لم يكن دائمًا “شريكًا”. في 2003، أثناء الغزو الأمريكي للعراق، سُجن الشرع في سجن بوكا – ذلك “الجامعة الإرهابية” التي شهدت ميلاد تنظيمات مثل داعش. كان السجن لحمايته من القتل، كما يُشاع، أو لاحتوائه. ثم، في إدلب، أصبح أداة لتصفية الجماعات الإرهابية الأخرى التي لم ترضخ لأجندة أمريكا. اليوم، بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، سلِمَت واشنطن دمشق له – ليس من باب الديمقراطية، بل لإرضاء إسرائيل، التي ترى فيه ضمانًا أمنيًا ضد التهديدات الإيرانية.
سياسة “إعادة التدوير”: الإرهاب كأداة مرنة
هنا تكمن الحقيقة المرة: في السياسة الأمريكية، كل شيء قابل لإعادة التدوير إذا خدمت المصلحة. والإرهاب، أسهل مادة للتدوير. تذكروا الجولاني نفسه: مكافأة 10 ملايين دولار على رأسه في 2013، ثم تدريجيًا، مع إعادة علامته التجارية من “إرهابي” إلى “معارض معتدل”، أصبح يُلتقى به في واشنطن ونيويورك. اليوم، في 2025، يُستقبل كشريك محتمل، يوقع على اتفاقيات أمنية ترضي إسرائيل، مقابل رفع العقوبات الأمريكية.
هذه ليست مصادفة. تاريخيًا، أمريكا “أعادت تدوير” العديد:
بن لادن في الثمانينيات: دعم ضد السوفييت في أفغانستان، ثم عدوًا رقم واحد.
صدام حسين: حليف ضد إيران في الثمانينيات، ثم هدفًا في 2003.
الجولاني/الشرع: سجين في بوكا، ثم أداة في إدلب، واليوم رئيس في دمشق.
المنطق بسيط: إذا كان الإرهابي يخدم المصلحة (تصفية المنافسين، تأمين الحدود، إرضاء الحلفاء مثل إسرائيل)، يُعاد تدويره إلى “حليف”. غزة تقصف، دمشق تُعاد بناؤها، ولبنان يئن – لكن المصالح الأمريكية تظل فوق كل شيء.
للناس الواعين: ذاكرة قوية كالفولاذ
ليس كل من يشاهد الصورة يفهم الرسالة. لكن لمن يمتلك ذاكرة لا تُمحى، هو تذكير بأن السياسة ليست أخلاقًا، بل حسابات باردة. أمريكا لا تهتم بالعدالة، بل بالسيطرة. الشرع لم يتغير؛ المصالح تغيرت. والجولاني الذي كان “إرهابيًا” أمس، يُستقبل اليوم في واشنطن ليوقع على مطالب إسرائيل.
في النهاية، السؤال لنا: هل نستمر في الاستسلام لـ”إعادة التدوير” هذه، أم نبني وعيًا يحمي شعوبنا من ألعاب القوى؟ الذاكرة هي السلاح الأقوى ضد النسيان.
💬 ما رأيكم؟ هل هذا “إعادة تدوير” ذكية أم خيانة للقضايا؟

