وليد طاهر
إن القضايا العادلة لا تنتصر فقط لأنها عادلة، بل تنتصر حين تتحول العدالة إلى مشروع منظم، وعيٌ جماعي، وهندسة فكرية ترقى إلى مستوى التحديات. كما أن الهرم لا يقف بثبات إلا إذا بُني على قواعد هندسية دقيقة، فإن نضال الشعوب لا يثمر إلا إذا بُني على أسس فكرية واضحة، ورؤية استراتيجية محكمة. هذا ما ينقص القضية الكردية في سوريا، ليس في عدالتها، بل في بنائها.
الشعب الكردي، كشعب له امتداده التاريخي والجغرافي والثقافي، لم يكن يومًا غائبًا عن مشهد النضال من أجل الكرامة، والهوية، والعدالة. لكنه، كغيره من الشعوب الواقعة تحت وطأة الاضطهاد التاريخي، وقع في شَرك التشتت، والاختلاف، والانقسام. والحق أن الاختلاف في وجهات النظر ليس عيبًا، بل هو دليل حيوية. لكن ما يتحول إلى عائق هو غياب المشروع الجامع الذي يلتف حوله الجميع، حتى وإن اختلفوا في التفاصيل.
المشروع القومي ليس مجرد شعارات، بل هو هندسة وجود.
هو قدرة على تحويل الألم إلى وعي، والمعاناة إلى فكر، والشتات إلى وحدة. لا يكفي أن يُقال “نحن نطالب بحقوقنا”، بل يجب أن يُقال: “نحن نعرف ماذا نريد، ونعرف كيف نصل إليه، ونعرف كيف نحميه حين نصل إليه”. هذه هي أركان المشروع القومي الناجح.
إذاً مايجب فعله هو التوافق الداخلي وتحييد الخلافات الثانوية.
ليس المطلوب إلغاء الخلاف، بل تنظيمه، وتحييده أمام الأهداف الكبرى. لا بد من الاتفاق على “الحد الأدنى القومي”، ذلك المشروع الذي يجمع ولا يفرّق، ويُبقي الخلافات في التفاصيل، لا في الجوهر.
الخلاصة:
القضية الكردية في سوريا لن تنتصر بالحق فقط، بل بالمشروع. لن تنتصر بالصوت العالي، بل بالفكر العميق. لن تنتصر بالشعارات، بل بالمؤسسات. ولكي يتحول الحلم إلى واقع، لا بد من هندسة دقيقة لذلك الهرم الذي يمثل تطلعات شعب بأكمله. هندسة يكون فيها الوعي هو القاعدة، والكرامة هي القمة.
