د.خيرالدين حسن

في عالم يغرق في تفاصيل لقاءات الزعماء وصراعات الأحزاب، أصبحت حفريات الحياة السياسية تستنزف طاقاتنا الفكرية والوجدانية. بينما تغرق منصات التواصل في سرديات “ماذا فعل أردوغان؟” و”مع من جلس الشرع؟”، تتراجع إلى الخلف قضايا وجودية تمس حياتنا مباشرة: صحتنا، ثقافتنا، اقتصادنا، وبيئتنا.

الواقع المقلق: حين تصبح السياسة “أفيون” الشعوب الجديد!

نعم، السياسة مهمة. لكن حين تتحول إلى هوس جماعي، فإنها تتحول إلى نوع من “التخدير الجماعي” عن قضايانا الحقيقية. لماذا؟

لأن متابعة السياسة أصبحت:

· مسكنًا للعجز: نشعر بأننا “نشارك” في صناعة الأحداث بمجرد متابعتها
· هروبًا من المسؤولية: من الأسهل مناقشة قرارات أردوغان من مناقشة فشلنا في تنمية مجتمعاتنا
· إدمانًا على الدراما: الصراعات السياسية تقدم دراما مستمرة تشبع حاجتنا للإثارة

المفارقة التاريخية: حين تهتم الشعوب بشؤون غيرها وتهمل شؤونها!

في الماضي، كانت الشعوب تنشغل بمشاكلها المباشرة: بناء المدارس، تطوير المستشفيات، نشر الثقافة. اليوم، نرى كُتابًا ومثقفين:

· يعرفون تفاصيل الحياة الحزبية في تركيا، لكنهم لا يعرفون نسبة الأمية في قراهم
· يحللون اجتماعات الشرع مع ترامب، لكنهم لا يحللون أزمة التعليم في مجتمعاتهم
· يهتمون بالتحالفات الإقليمية، ويهملون التحالفات المجتمعية بين المكونات المحلية

الثمن الخفي: ماذا نخسر في هذه المعادلة؟

  1. الاهتمام المشتت: طاقات فكرية هائلة تُصرف في متابعة ما لا نملك تغييره
  2. الفرص الضائعة: بينما نناقش سياسات الآخرين، تضيع فرص تطوير سياساتنا
  3. الوعي المشوه: تتشكل صورة عالمية في أذهاننا مبنية على السياسة وحدها
  4. الإبداع المفقود: تغيب الأفكار الإبداعية في المجالات الحيوية الأخرى

رسالة من الطب
الأطباء يقولون إن التوتر السياسي الدائم والجدل المستمر يرفع الكورتيزول (هرمون التوتر) ويؤذي صحتنا النفسية والجسدية.
• القلق المستمر يؤدي إلى أمراض القلب.
• السهر من أجل متابعة الأخبار يضعف المناعة.
• العيش في دوامة السياسة فقط يزيد الاكتئاب والعزلة.

الدائرة المفرغة: إدمان الأخبار السياسية من الصباح حتى منتصف الليل

ألم تلاحظوا معي هذه الظاهرة الغريبة؟
أخي ـ أبو جلال ـ الذي يتابع الأخبار من الصباح، ثم يعود ويستمع لنفس التحليلات، وفي المساء يجلس مع الأصدقاء ليتناقشوا في نفس الموضوعات، ثم في منتصف الليل لا ينام حتى يتأكد من أنه لم يفوت أي تحديث جديد!

إنها دائرة مفرغة تشبه إدمان المخدرات، لكنها إدمان “المعلومات المتكررة”. نستهلك نفس الأخبار، نفس التحليلات، نفس الآراء، دون أن نضيف جديدًا، ودون أن ننتج فائدة.

حلول عملية: كيف نعيد التوازن؟

  1. تخصيص حصص معرفية: كتخصيص 70% للمحتوى التنموي، و30% للسياسي
  2. صناعة قدوات جديدة: تقديم نجوم في المجالات الطبية، الثقافية، البيئية
  3. إعادة صياغة الأولويات: البدء دائمًا من الداخل إلى الخارج
  4. خلق محتوى جذاب: في المجالات غير السياسية ينافس الإثارة السياسية
    كلمة من القلب

أيها القراء الأعزاء
ليست السياسة سوى جانب واحد من حياتنا. بينما ننشغل بمن يجلس مع من، تضيع منا لحظات حقيقية يمكن أن نصنع فيها فرقًا. الفرق بين متابعة السياسة والانشغال بالتنمية كالفرق بين مشاهدة مبارة كرة القدم ولعبها. في الأولى تكون متفرجًا، وفي الثانية تكون لاعبًا.

السياسيون سيلتقون ويختلفون ويتحالفون، فهذا عملهم. أما نحن، فعملنا أن ننهض بمجتمعنا، أن نكتب عن الثقافة والاقتصاد والطب والتعليم والبيئة، لأن هذه هي حياتنا اليومية الحقيقية.

✒️ لنجعل الكتابة نافذة نحو البناء لا مجرد مرآة للصراع.
السياسة مهمة، لكنها ليست الحياة كلها

لننتقل من دور المتفرج على مسرح السياسة إلى دور اللاعب في مسرح الحياة. لأن الأوطان لا تُبنى بمتابعة أخبار الزعماء، بل ببناء الإنسان.