وليد طاهر

في عالم تتنازعه القوميات، وتُعاد فيه صياغة الجغرافيا بلون الدم أكثر من لغة المنطق، تقف القضية الكردية شاهدة على قرنٍ من الإنكار، ومشروعًا مؤجلًا للعدالة التاريخية. لسنا بحاجة إلى التنجيم أو قراءة الطالع لنفهم أن هناك ظلمًا واقعًا، وأن الشعوب، كالأفراد، لا تموت لكنها تُقمع، وتنتظر لحظة الاعتراف.

إن الشرعية الأخلاقية والتاريخية والسياسية لانتصار القضية الكردية تنبع من ثلاث مرتكزات كبرى: الحق في الأرض، والحق في الهوية، والحق في تقرير المصير. وسنتناول كلًّا منها بمنطق الفيلسوف، لا بعاطفة المناضل.

  1. الحق في الأرض: منطق الجغرافيا والتاريخ،
    إذا كان المنطق يفترض أن من عاش في أرضٍ وزرعها وحماها وسُفك دمه على ثراها أحق بها، فإن الكُرد أصحاب حق أصيل في جغرافيتهم الممتدة عبر تركيا، العراق، سوريا، إيران. فهم لم يكونوا طارئين، بل كانوا سكان الجبال والسهول قبل أن تُرسم الحدود بالمسطرة على طاولة القوى الإمبريالية بعد الحرب العالمية الأولى.

في معاهدة سيفر عام 1920، تم الاعتراف بحق الكُرد في دولة مستقلة، لكن هذا الاعتراف اغتيل سياسيًا في معاهدة لوزان عام 1923، التي أعادت توزيع الأرض دون الرجوع إلى أصحابها. هل يُمكن أن نعتبر اتفاقًا بين دول كافيًا لمحو هوية شعب؟ منطق العدالة يقول: لا.

  1. الحق في الهوية: منطق الوجود الثقافي،
    الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي، بل هو حامل للغة، للثقافة، للذاكرة. منذ قرون، حافظ الكُرد على لغتهم، شعرهم، أغانيهم، عاداتهم، رغم محاولات الصهر والإنكار والإبادة. لقد قاوموا لا بالسلاح فقط، بل بالحرف واللحن، بالرقص والخرافة، بالأسطورة والرواية.

من هذا المنطلق، لا يمكن لأي نظام سياسي أن يدّعي الشرعية وهو ينكر هويةً عريقةً، لأن شرعية الدولة لا تُبنى على أنقاض التنوع، بل على اعترافها به. وإنكار الهوية الكردية هو بمثابة اغتيال للوجود الإنساني نفسه، وهو ما يُفقد المنكر شرعيته قبل أن يمنحها لأحد.

  1. الحق في تقرير المصير: منطق السيادة الشعبية،
    في الفلسفة السياسية الحديثة، لا تُقاس الشرعية بحدود سايكس-بيكو، بل بإرادة الشعوب. كل شعب له الحق، حسب ميثاق الأمم المتحدة، في تقرير مصيره، واختيار شكل الحكم الذي يناسبه. الكُرد، في العراق مثلًا، عبّروا عن هذه الإرادة عبر استفتاء 2017، والذي صوّت فيه أكثر من 90٪ لصالح الاستقلال.

فلماذا يُدان شعبٌ يطالب بما تضمنه المواثيق الدولية؟ هل لأن مصالح القوى الكبرى لا تتوافق مع هذا الطموح؟ إذًا نحن أمام معضلة أخلاقية لا قانونية: هل يُختزل الحق في ما تسمح به القوة؟ إذا كان الجواب نعم، فلا حديث بعد اليوم عن عدالة أو حرية أو إنسانية.
ختامًا: شرعية الانتصار،
شرعية انتصار القضية الكردية لا تأتي من بندقية محمولة فقط، بل من صبر طويل، من جراح مفتوحة، من حلم لم يمت، من منطق لا يُكذب نفسه. هذا الانتصار، إن جاء، فلن يكون هزيمة لأحد، بل تصحيحًا لتاريخٍ عميق من النسيان والجحود.
ليس الكُرد طارئين على المنطقة، ولا ضيوفًا على موائد الإمبراطوريات، بل أصحاب الدار ممن لم تُكتب أسماؤهم على اللافتات، لكن وُجدت أرواحهم في كل تضاريس الأرض.

وحين يُكتب التاريخ يومًا بعدل، ستُقرأ القضية الكردية لا كتمرّد، بل كصحوة، لا كخطر، بل كحق طال انتظاره..