شريف فرمان

البعض ، ذات يوم ، بعثياً كان أو كاتب تقارير ، لم يكن يتجرأ أن ينظر إلى ظل قيادات وكوادر الحركة الكوردية وهم يمشون في الشوارع ، خجلاً ، الآن أصبح يتصدر المشهد السياسي ويقود كورالاً من الحمقى والسفلة للتهجم على مناضلي شعبنا وتشويه قيم النضال والعمل القومي….
أيام العمل الشاق، المحفوف بالمخاطر ، كالإعتقال أو الفصل من العمل والدراسة ، الكثير من الكوادر الحزبية كانت تتجنب المواقع المسؤولة أو الظهور علناً أمام الناس في النشاطات الجماهيرية ، الآن يتقاتلون للوصول إلى الواجهة ولا يتزحزحون من أمكنتهم حتى لو وصل الدم إلى الركب….
أيام العمل الصادق، المسؤول الحزبي كان يتحاشى أخذ كأس من الشاي أو العصير في مكان عام، قريباً من رجل مشبوه ، حتى ولو كان جاره أو إبن قريته ، خوفاً من غضب القواعد والتعرض للمحاسبة، الآن العلاقة مع الأجهزة والدوائر المعادية أصبحت مكاسب وعلاقات دبلوماسية، والمزاد العلني لإلتقاط الصور صار حامياً….
المسؤول الحزبي ، الهاربُ من الوطن ، كما كان يدّعي ، يجتاز الحدود في وضح النهار ، ويجتمع مع أصحاب النياشين في الغرف المغلقة ، ودراويش التكية يتوسلون إلى الله لحمايته أو مشاهدته في حلم عابر ….
المسؤول الحزبي ، المُلاحق ، كما كان يدّعي ، يتهرب من رفاقه نهاراً خوفاً من العسسِ ، وليلاً يرتمس في اللهو وعلم الكلام في الميدان الأحمر….
ليلاً، في الإجتماع الصاخب ، الطاحن ، الناهش للآخر، الإشادة بالمناقب الحميدة والقدرات الخارقة للمعلم المبجّل ، و صباحاً يتحول ذلك الفارسُ، المارسُ إلى مندسٍ ، عميلٍ، لص ٍٍ ومغفل….
الوفيّ المخلص، المضحي، المشهود له بالنزاهة والبسالة في الحركة الكوردية ، إما عليه أن يلتزم الصمت والطاعة، أو يتقن فنون الوشوشة والصفاقة ، أو… لامفرّ أمامه إلا الإنزواء في بيته، متألماً ، منسيّاً في ثوب مهلهل ، ولايتذكره أحدٌ ، إلا فوق نعش مُكئِبِ ….
التحالف مع الأوباش والمرتزقة وداعميهم، أصبح حنكة سياسية وحكمة وطنية وفرصة تاريخية، يستوجب تبريرها والتصفيق لها والمشي خلفها كالقطيع…
والحديث عن مخاطر هذا التوجه على القضية إساءة للزعيم الأوحد…!!!
ينادون بوحدة الصف ودمج القوى المتقاربة فكرياً وسياسياً ، وعلى الطريق ، قبل الوصول إلى قاعة المؤتمر التوحيد ،يتحرك البعض مجتهداً كخلية النحل ، لتعليم الرفاق فنون النظر ورفع الأيادي ، وقبل أن يجف حبر البيان ، تصفهرّ الوجوه وتتسارع الخطى على دروب الإنتقام ….
هذه البيئة المشوّهة قلبت المفاهيم و المعايير الأخلاقية و النضالية لدى الكثير من الناس، فتركُ العمل بالشأن القومي أو الديمقراطي و الإبتعادُ عن المسرح الحزبي، يُعتبر خطوة جريئة ومسؤولة، و المطالبة بالإصلاح والتغيير، تهوّر غير محمود العواقب لأن قائمة طويلة من الإتهامات ستكون جاهزة، أما المواجهة الصريحة والعلنية وإن كانت ضمن الأطر الرسمية فلن تكون نتائجها سوى التصفية بالعقوبات، طرداً أو فصلاً ، حرصاً على الوحدة الداخلية و تعزيزاً للمشروع القومي…..!!!
إياك وممارسة النقد وإن كان همساً، فالمسؤول الحزبي ، الذي جرفته سيول الإنشقاقات إلى منصات المديح والكراهية ، سيعتبر اللوم إهانة لعرشه والمعركة تستلزم المواجهة بكل الأسلحة ، إبتداءً برسم دوائر الإستفهام و الغموض التي تحاصر المتهمين ، وإنتهاء بمراسم الفصل فالمسؤول قد ينسى عنوان بيته ولكنه أبداً لن ينسى الرفيق الذي وجه له إنتقاداً في يوم من الأيام …..!!!

هذه العقلية و الممارسات المشينة شوّهت حقل العمل السياسي و قسمت البيدر التنظيمي وأضعفت الجهد الوطني ، مما دفع بالجميع إلى دائرة الخطر، وأصبح الطريق أمام الأعداء سهلاً للنيل من الشعب الكوردي وطموحاته في الحرية وتقرير المصير …
الكوردي دمه مستباح ، وكذلك حبة الزيتون وقن الدجاج.، ونعل حورية الصباح…
أما القيادي فمازال يجتهد في التفسير والتبرير منعاً لإحراج الحلفاء والأصدقاء….
الكوردي هُجّر من بيته.، وتاه في البحار والغابات ، وأزقة المخيمات ، جائعاً أو مشوّشاً من ضجيج الصفيح و رائحة السيكوتين ، وما تبقى من الكوردي دفن حياً بين جدران الخوف والقلق والجوع أو حُمل على أكتاف طفله المختطف السلاح…..
أما الزعيم فمازال يتبجح ، أو يرتبك حائراً أي لون من ربطة العنق تناسبه أمام حضرة المذيع أو على سفرة النصّيح…. و القطيع كالعادة يزغرد للمنجزات…..
من يتحمل مسؤلية هذا الوضع الخطير ؟!!
ألم يحن الوقت لتغيير هذا السلوك المشين لكرامة الإنسان !!!
الأزمة بنيوية عميقة وشاملة ، تخيم على السياسة والثقافة الكوردية وأدواتها وحواملها الإجتماعية وباتت تهدد وجودنا التاريخي .
نتحمل جميعاً مسؤولية هذا الإنحدار ، حزبيين ومتفرجين ، داخل الوطن أو خارجه ، كل بحسب موقعه…..
التشخيص الدقيق للمشهد السياسي /الإجتماعي الكوردي والتحليل الواقعي لمظاهر الصراع الدولي و الإقليمي وإفرازاتها على الأرض لايكفي إن لم يترجم إلى رؤية منهجية للتغيير وإرادة وطنية صلبة للنهوض العملي