د.خيرالدين حسن
التمرد ليس مجرد فعل غضب أو عنف عابر. إنه استجابة عميقة لشعور طويل بالحرمان. الإنسان لا يثور فقط لأنه فقير أو مضطهد، بل لأنه يتوقع حياة أفضل ثم يُصدم بالهوة الكبيرة بين التوقعات والواقع. هنا يولد الإحباط، ويتحول إلى تمرد.
لكن الإشكالية الأكبر ليست فقط: لماذا نتمرد؟ بل: ضد من نتمرد؟
التمرد الطبيعي والتمرد المشوّه
• التمرد الطبيعي: أن نوجّه طاقتنا ضد من يحرمنا من حقوقنا، ضد الأنظمة التي تسلبنا لغتنا ووجودنا وكرامتنا.
• التمرد المشوّه: أن نتحول إلى خصوم لبعضنا، فنستهلك طاقتنا في صراعات جانبية: حزب ضد حزب، عشيرة ضد أخرى، جيل ضد جيل… بينما يبقى الاستبداد هو الرابح الأكبر.
لماذا يحدث التمرد عند الإنسان؟
- الحرمان النسبي: ليس الفقر وحده هو السبب، بل الشعور بأن “غيري حصل على ما أستحقه أنا”.
- انكسار الأمل: حين ترتفع التوقعات بالحرية أو العدالة، ثم تنهار فجأة.
- غياب العدالة الجماعية: عندما تتحول الحقوق إلى امتيازات لقلة، يندفع الباقون نحو الغضب.
- الإحباط المتراكم: الصمت الطويل يولّد انفجارًا أعنف.
التمرد والواقع الكردي
في الحالة الكردية، يظهر التمرد بشكل معقّد:
• على السلطة المركزية: التي مارست التهميش والإنكار لعقود.
• داخل المجتمع الكردي نفسه: حيث يتجه الغضب أحيانًا نحو الداخل بدل الخارج، فنشهد تمردًا داخليًا بين أحزاب وقوى سياسية متنازعة.
السبب؟
• غياب مشروع جامع يحوّل الحرمان المشترك إلى وحدة.
• استثمار القوى الإقليمية في الانقسامات الداخلية.
• تحويل طاقة التمرد من مقاومة الظلم إلى تصفية الحسابات الداخلية.
لماذا نتمرد على بعضنا بدلًا من أن نتمرد معًا؟
• لأن الإحباط إذا لم يجد قناة منظمة وهدفًا واضحًا، ينفجر في أقرب مساحة: الأخ، الصديق، الحزب الآخر.
• لأن الاستبداد يتقن لعبة “فرّق تسد”، فيحوّل غضبنا من أنظمة الإنكار إلى غضب على بعضنا.
• لأننا لم نُبنِ بعد ثقافة سياسية ترى في الخلاف تنوعًا، لا خيانة.
الدرس الكردي
التمرد عند الكرد يحتاج أن يتجه نحو العدو الحقيقي:
• لا قيمة لتمرد ضد أخيك وأنت ساكت أمام من يسلبك هويتك.
• لا معنى لثورة تنتهي بخلافات حزبية، بينما الحقوق الكبرى ما زالت غائبة.
التمرد الحقيقي ليس مجرد رفع سلاح أو صرخة غضب، بل قدرة على تحويل الحرمان إلى مشروع وطني جامع، يحول الإحباط إلى أمل منظم.
نحو تمرد جديد
• تمرد على الاستبداد، لا على الذات.
• تمرد على ثقافة التبعية والارتهان، لا على بعضنا.
• تمرد يعيد صياغة علاقتنا ببعضنا: من خصومة إلى شراكة.
✍️ الخلاصة
الإنسان يتمرد حين يُحرم من حقه. لكن قيمة التمرد تُقاس بالاتجاه:
• إما أن يكون طاقة بنّاءة، تقود إلى الحرية والكرامة.
• أو أن يتحول إلى صراع داخلي يضاعف خسائرنا

