جوان ديبو
لا يكاد يمر يوم من حياة كوكبنا البائس الذي يئن تحت وطأة النزاعات والحروب والفقر والمجاعة والأمراض والتشريد والتهجير، والمدار عمليا وفق قانون الغاب، والمحكوم بنزعات الاستغلال والترهيب والهيمنة، والمهدد وجوديا بسبب النزعة المتصاعدة لامتلاك الأسلحة الفتاكة وظاهرة تغير المناخ، حتى نسمع دعوات من زعماء العالم، وخاصة الولايات المتحدة، حول ضرورة إحلال السلام والاستقرار في البؤر الملتهبة على كوكب الأرض. لكن مع كل صيحة مخاتلة جديدة تنادي بالسلام نشهد العكس على أرض الواقع، فلا نكاد ننتهي من فصول كارثة حتى نشهد ولادة كارثة أخرى أكثر فظاعة وهكذا دواليك. واليوم لا تخلو قارة من قارات العالم من الحروب، ويبدو أن القائمة ستطول ولن تقصر، خاصة إذا خدم ذلك مصالح وأجندات الأوصياء على الكوكب.
وهذا التضارب بين المنشود والواقع لا يعكس فقط الكذب والنفاق وازدواجية المعايير لدى أسياد أو أقوياء الكوكب بقدر ما يعكس طوباوية فكرة السلام العالمي نفسها. وبالتالي استحالة تطبيقها بين الكيانات السياسية على وجه البسيطة ضمن النظام الدولي الحالي المشيد على الفوضى والمجبول من الجشع والطمع ونزوع الهيمنة، والذي يؤدي بدوره إلى المزيد من منسوب النزاعات.
وما يؤكد طوباوية مفهوم السلام العالمي كنظرية وتطبيق، والذي بات شعاراً للمتاجرة والمناورة والمراوغة، هو التاريخ والحاضر الزاخران بالشواهد التي تبرهن على أن الحرب هي القاعدة وأن السلام الشكلي والقسري والمؤقت الذي يتخلل الحروب هو الاستثناء، بالإضافة إلى أن فترات السلام المؤقتة لم تكن سوى هدن اضطرارية مفروضة زائلة ومجرد استراحات طويلة للمتحاربين لإعادة التسلح والاستعداد من جديد لخوض حروب أكثر شراسة.
منذ بداية الخليقة والسلام ليس بمسعى إنساني، وإنما الحرب هي المسعى لأنها تصنع الأمجاد التي يلهث وراءها الإنسان. لذلك بقي مسعى السلام حلما راود مخيلة الشعراء والأدباء والفلاسفة، لكنه لم يقترب البتة من مخيلة الأنبياء والقادة والسياسيين ورجالات الدولة. وجميع فترات السلام المؤقتة التي شهدها الكوكب جاءت مفروضة على القادة والدول ولم تكن عن قناعة، بمعنى أنها جاءت بعد الهزائم المنكرة التي منيت بها الأطراف التي وقعت على شروط السلام بالنسبة إلى المنتصرين وشروط الاستسلام بالنسبة إلى المهزومين، وبعد أن سئم وتعب الجميع من الحروب وما جلبت لهم.
يقول بوذا “ما زال العالم مقيداً لأنه لم يتخلّ عن كلمة أنا”، وبما أن القاطنين في العالم فرادى وجماعات ليسوا في وارد التخلي عن الأنا وإنما في تحطيم الآخر لحماية الأنا تحت ذريعة البقاء، لهذا فإن الأقوياء سيمضون قدما في غيهم لإفزاع الضعفاء الذين بدورهم سيكشرون عن أنيابهم في وجه الأضعف منهم، وهذا ما يمكن تسميته بقانون الغاب الدولي. لهذا وذاك سيبقى السلام العالمي وهما يخدع به أقوياء العالم الضعفاء وسيظل حلما يدغدغ مشاعر المؤمنين به عله يقيهم قليلا من بشاعة وجحيم العالم الحقيقي المُعاش وينقلهم إلى العالم الافتراضي الذي طالما حلموا به والمحال تحقيقه على الأرض.
