Beshir Shekhee

عندما تقف على أسوار قلعة حلب، لا ترى حجارةً فحسب، بل طبقاتٍ من ذاكرة الشعوب.
تحت كل صخرةٍ منها ينام ألف عامٍ من التاريخ الكُرديّ القديم.

تعود أقدم أساسات بنائها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد شيّدها أجداد الكُرد الحثيون كموقعٍ حصين.
أعادها اليونانيون والرومان والبيزنطيون، لكن التحفة الحقيقية التي نراها اليوم جاءت على يد الملك الظاهر غازي بن آخر أباطرة الكرد أسب سالار، الذي عرب أسمه إلى صلاح الدين الأيوبي (1186–1215م)، حيث شيد الأسوار والخندق والبوابات والأبراج الدفاعية، محولًا التل القديم إلى قلعةٍ لا تُقهر.

من هم الحثيون؟

هم الشعب القديم الذي استقر في شمال كردستان وأقام إمبراطوريةً متماسكة.
وهم الكُرد الحاليون الذين حافظوا على لغتهم الهندوأوروبية.
أي إن وجود الكُرد اليوم في الجغرافيا نفسها التي سكنها الحثيون والميتانين — من روج آفا إلى زاغروس وحلب وروها — هو استمرارٌ طبيعيٌّ لسلالةٍ لم تنقطع.
وهذا، حسب المنطق والأثر والواقع، يؤكد أن الكُرد هم الورثة الحقيقيون الذين لم يذوبوا ولم يندمجوا، بل حافظوا على لغتهم وعاداتهم وموسيقاهم رغم كل موجات التعريب والتتريك والتفريس.

الحثيون: جذرٌ هندوأوروبيٌّ قديم، وما زال أثرهم قائمًا في الشعب الكُردي، فهم الامتداد الطبيعي للحثيين والميتانيين واللولوبين، أي أصحاب الأرض الحقيقيين في زاغروس وميزوبوتاميا والأناضول وروج آفا وصولًا إلى البحر المتوسط.

العاصمة المقدسة للحثيين، هاتوشا (Hattusa)، مدينةٌ أثريةٌ كانت عاصمة الإمبراطورية بين عام 1650 و1200 قبل الميلاد. تقع في وسط الأناضول في شمال كردستان، على بُعد 200 كيلومتر شرق أنقرة، بُنيت على تلالٍ صخريةٍ تحيط بها الوديان، ما جعلها طبيعيًا يصعب غزوها.

البناء ليس مجرد حجر، بل جينات حضارةٍ تتوارثها الشعوب.
الكُرد اليوم هم الورثة الأحياء للحثيين؛ استمروا في أرضهم، حافظوا على لغتهم وثقافتهم، وبقوا أصحاب الأرض الحقيقيين، بينما ذابت موجة العموريين ولم تترك أثرًا حيًا.

المرحلة الأولى – حاتوشا: فجر الحديد والحكمة (1700–1200 ق.م)

في قلب الأناضول قامت إمبراطورية الحثيين، أول من صهر الحديد وصاغ السيوف والكلمات بلغةٍ هندوأوروبيةٍ مبكرة.
من عاصمتهم حاتوشا امتد سلطانهم نحو الجنوب — إلى كركاميش وحلب — حيث امتزجت آلهة الجبال بآلهة العواصف.
كانوا شعبًا جبليًا، محاربًا، يقدّس الشمس والنار، يؤمن بالعهود والولاء، مثل الكُرد اليوم.

المرحلة الثانية – مملكة ميتاني: جسر الشعوب الهندوأوروبية (1500–1300 ق.م)

حين خمد نجم الحثيين في الشمال، نهضت إلى الشرق منهم مملكة ميتاني في شمال ميزوبوتاميا، بين نينوى وحرّان ورأس العين.
لغة ملوكهم حملت أسماء هندوأوروبية (شَتْتِوار، تُشْرَتَّا، أَرْتَتَمَة)، وآلهتهم كانت من نفس الجذر: ميثرا، فَرُونَا، إندرا — رموز الضوء والنظام.
وهؤلاء الميتانيون هم السلسلة التي تربط الحثيين بساكني الجبال شرقًا، أي أسلاف الكُرد.

المرحلة الثالثة – اللولوبيون والكوتيون والسوباريون (2300–1000 ق.م)

في جبال زاغروس وُجدت شعوبٌ محلية سبقت الجميع: اللولوباي، الكوتي، السوباري.
نقوش نرام سين الأكدي تذكرهم بأنهم “أصحاب الجبال المنيعة”.
تلك الشعوب لم تختفِ، بل انصهرت مع الموجة الهندوأوروبية القادمة من الأناضول، لتلد هويةً جديدة:
هوية الشعب الكُردي المبكر الذي ورث الجبل واللغة معًا.

المرحلة الرابعة – الفرس والميديون (700–300 ق.م)

من رحم تلك الجبال ظهر الميديون، الذين أسسوا أول دولةٍ كُردية–إيرانية.
كانوا أقرب في اللغة إلى الحثيين والميتانيين منهم إلى الساميين.
المؤرخون اليونان وصفوهم بأنهم “أمةٌ حرة لا تركع”، وهي الصفة ذاتها التي التصقت بالكُرد في كل العصور اللاحقة.
ومن الميديين استمر الدم واللسان حتى يومنا هذا.

المرحلة الخامسة – الكُرد: أبناء الجبل والبقاء (من القرن الثالث ق.م حتى اليوم)

تراكمت الأسماء وتبدلت الإمبراطوريات…
لكن في كل خرائطهم كانت الجبال نفسها،
وكان فيها شعبٌ يتحدث لغةً لا تشبه لغاتهم، ويغني للأرض بلغته القديمة.
ذلك الشعب هو الكُردي — الامتداد العضوي للحثي والميتاني واللولبي، أبناء الشمس والنار الأوائل التي أنارت الأناضول والرافدين.

الخلاصة:

هاتوشا (الأناضول)
كركاميش – حلب (الحثيون الجنوبيون)
ميتاني (روكا – الرقة – سري كانيه – رأس العين – نينوى)
لولوباي وكوتي (زاغروس)
ميديون (كردستان)

هاتوشا، عاصمة الحثيين، لم تكن مجرد مدينة، بل عاصمة فلسفةٍ كاملة.
ففيها ظهرت أقدم المعاهدات الدولية في التاريخ، مثل معاهدة السلام بين الحثيين والمصريين بعد معركة قادش.

اكتشافها الحديث:

ظلت هاتوشا مدفونةً آلاف السنين إلى أن اكتشفها علماء الآثار في القرن التاسع عشر،
ووجدوا فيها أكثر من ثلاثين ألف لوحٍ طيني مكتوبةٍ بالخط المسماري الحثي —
وهو ما مكّن العلماء من فك لغتهم عام 1915.
بفضل ذلك، عُرف أن الحثيين كانوا أول من تحدث بلغةٍ هندو–أوروبيةٍ مكتوبة في التاريخ.

الخاتمة :

كل حجرٍ في قلعة حلب يهمس بتاريخ الكُرد، ويؤكد أن الأرض لا تنسى أبناءها وامرائها وأميراتها وملوكها الحقيقيين… مهما تبدلت الأسماء فوق خرائطها.