Beshir Shekhee

لا يُعقَل أن أصدّق مؤرخًا عاش على فتات موائد الخلفاء… لذلك لجأت إلى المنطق والواقع، وتركت ما كُتب ولأي سبب كُتب، وتعمّقت فيما بين السطور، أفحصها بعين محقّق، أراقب كل كلمة… كيف كان يُزوّر، ويركع، ويناكف، ويُنافِق!

عندما يكذب عليك شخصٌ مرة، يولد في قلبك الشك… لكن ماذا لو كان هذا الشخص مؤرخًا كذب عشرات المرات، وسوّد مئات الصفحات بمداد السمّ، ثم أطلق عليها اسم “التاريخ”؟

ذاك الذي يُحوِّل خيانة الأوطان إلى “فتح عظيم”، وطهارة الشعوب إلى “خيانة عظمى”، لم يعد مؤرخًا… بل سفّاح كلمات، جلاد ذاكرة، قاتل للحقيقة، يتقاضى أجره ببقايا الفتات والدنانير.

كيف أؤمن بمؤرخٍ نسب إمبراطورًا كرديًا إلى قريش، وزيّفه باسمٍ لا يمتّ إلى لغته أو ترابه أو دمه؟ كتب له سيرة في دهاليز القصور، تحت ظل السيوف، وبرعاية الدنانير… طمس الهوية، وحوّل الاسم إلى لقب، واللقب إلى وظيفة!

حوّل “آريو” إلى “الحارس”، و”باران” إلى “المطر”، و”شيركو” إلى “أسد الدين”، و”بهار خاتون” إلى “ربيعة خاتون”… كأن الأبطال وُلدوا بلا أمٍ تناديهم، بلا قرية تحفظ أسماءهم، بلا لسان يتوارثه أبناؤهم!

خذ مثلًا “أسپ سالار روادي”، الإمبراطور الكردي العظيم… كان اسمه يعني بالكردية: قائد الفرسان. لكنهم دفنوه تحت غبار الترجمة، وسمّوه “قائد الجيش صلاح الدين”. وانظر إلى “بهزاد خاكان بن شيروان”، الذي سمّوه “أبو مسلم الخراساني”… ذاك الذي أسقط الأمويين ومهّد لقيام العباسيين، فلما خافوا هيبته وحبّ الناس له، دعاه أبو جعفر المنصور بكلمات كالعسل المسموم:
«ارفَع إليّ رايتك البيضاء، فإني أريد أن أستضيءَ بها.» ثم غدر به، قطّع جسده، وحمل رأسه على طبق، ولم يكتفِ بالقتل، بل أهداه تهمة الخيانة… وأعطى نفسه لقب “الخليفة العادل”!

وانظر في قوائم الفلاسفة والعلماء… ستجد الأسماء تتكرر كرَبابة بدوية! هل يُعقَل أن عباقرة الفكر والعلوم جميعهم وُلدوا في القبيلة نفسها؟ لقد مُسحت أسماؤهم الحقيقية، وعُرّبت عمدًا… لا حبًا في اللغة، بل لمحو الهوية!

الفارابي، الرازي، ابن سينا، البيروني، الكندي، الخوارزمي… كلهم تعرّضوا لعمليات تزوير قسرية في السيرة والانتماء، حتى صارت أصولهم الحقيقية ضبابًا، وأسماؤهم كُتبت بأقلام مرتزقة.

تخيّل المؤرخ جالسًا أمامك، الضوء مسلّط على وجهه وحده، وعلى الطاولة كومة كتب صفراء تفوح برائحة الخيانة. تفتح أول كتاب وتسأله:
– من شهد هذه المعركة التي وصفتها؟
يبتسم ابتسامة مرتبكة: هكذا وصلني الخبر!

تفتح الكتاب الثاني:
– من نقل إليك هذا النسب الذي كتبته؟
يبتسم ابتسامة العاجز: هكذا قال لي الخليفة!

تضع الكتاب الثالث أمامه:
– أين الوثيقة الأصلية؟ أين الشاهد الحي؟ أين الكتب البهلوية الكردية؟
يصمت… ثم يطرق برأسه ويقول: لقد أحرقنا بعضها وترجمنا بعضها حتى يناسب صحراءنا.

حينها تدرك أن ما أمامك ليس تاريخًا… بل رواية جنائية مكتوبة بأقلام الغزاة والمحتلين.

أنا ككردي… كيف أؤمن بمصادر كُتبت في أقبية القصور، على موائد الحكّام، بأيدي من يكتبون ما يُملى عليهم، لا ما شهدوه أو علموه!

أما المؤرخ الذي نطق بالحقيقة، فإما نُفي، أو صُلب، أو ذُبح اسمه وقطع جسده بتهمة الزندقة والكفر. وكل مؤرخ بارك جرائم الحاكم صار “إمامًا في التاريخ”!

فهل بعد كل هذا نردّد نصوصهم كالببغاوات؟ أم نشعل مصابيح العقل، ونحاكم النصوص بالمنطق قبل أن نقدّسها؟

إن الزمن لا يحترم الغافلين، والتاريخ لا يغفر إن كُتِب بالخيانة… وفي محكمة الحقيقة، لن يُسأل القاتل وحده… بل الشاهد الصامت أيضًا.

الصورة المرفقة هي للقائد الكردي بهزاد بن شيروان بن خاكان ( ابو مسلم الخرساني)