د.خيرالدين حسن
في النقاشات حول القضية الكردية، كثيرًا ما نركّز على عدالة مطالبنا، وكأنّ العالم يتعامل مع السياسة بمنطق الأخلاق فقط. لكن التجارب الحديثة تقول شيئًا مختلفًا: لا قيمة لأي حق ما لم يتحوّل إلى شرعية سياسية حقيقية.
الشرعية ليست كلمة واحدة؛ هي ثلاث دوائر مترابطة:
- شرعية داخلية
أن يشعر الناس بأن هناك مشروعًا سياسيًا واضحًا، لا صراع أحزاب ولا شعارات متضاربة. الانقسام لا ينتج سوى ضبابية. - شرعية قانونية
التسميات والثقافة والذاكرة مهمة، لكن في النهاية ما يُسجَّل في المؤسسات الدولية هو الوثائق والتفاهمات والمعاهدات. دون هذا، تبقى القضية “وجهة نظر”. - شرعية دولية
العالم لا يتفاعل مع من يصرخ أكثر، بل مع من يقدّم مصالح واضحة ويثبت قدرته على إدارة الأرض والناس.
هذه الأبعاد الثلاثة هي التي تجعل “قضية” تتحوّل إلى “ملف سياسي” يحسب له الآخرون ألف حساب.
الاعتماد على العدالة فقط خطأ مؤلم
نعم، القضية الكردية عادلة تاريخيًا وحقوقيًا. لكن العدالة لا تجبر العالم على التدخل. النظام الدولي بارد، ويتحرّك بمصالحه لا بعواطفه. لذلك، بناء القوة الناعمة والخطاب القانوني والتحالفات عملية ضرورية وليست رفاهية.
معضلة الخطاب
الخطاب الكردي غالبًا يوجّه نفسه نحو وجدان الشعوب بمظلومية، في حين يحتاج إلى لغة:
• مؤسسات
• أرقام
• خرائط
• مصالح مشتركة
• بدائل جاهزة
الدول تحترم المشاريع، لا القصائد.
الخصوم يفهمون اللعبة جيدًا
الدول التي تحتل الجغرافيا الكردية تعمل باستمرار على:
• تفكيك وحدة الصوت الكردي
• التشويك على التمثيل
• إنتاج سرديات تشكّك بالشرعية
السبب بسيط: الشرعية أخطر من الرصاص.
الانتقال المطلوب
لكي تتقدّم القضية، نحتاج إلى انتقال فكري من:
“نحن أصحاب حق”
إلى
“نحن أصحاب مشروع”.
المشوع هو الذي يفرض نفسه على الطاولة، وغيابه يخلق فراغًا يُخيف الجميع.
خطوات أساسية
- تنسيق سياسي لا يلغي التنوّع، بل يَنسّقُه.
- رؤية واضحة للحوكمة، لا وعودًا فضفاضة.
- تدويل محسوب، لا استقواء بمزاج القوى.
- خطاب حقوقي مدني، لا قومي انفعالي.
الخلاصة
الحقّ يشحن العزيمة،
الشرعية تُقنع العالم،
والمصالح تُحرّك القوة.
عندما يملك الكرد هذه المعادلة، لن يعود السؤال:
“لماذا لا يعترفون بنا؟”
بل يصبح:
“كيف سيتعاملون معنا؟”
مربط الفرس هنا:
العدل يجعلنا على حق، لكن الشرعية تجعلنا على الخريطة
“كيف سيتفاوضون معنا؟”
