سامي داوود
تحوّل اسم فيدكن كفيشلينغ، السياسي النرويجي المتعاون مع الاحتلال النازي، إلى مصطلح عالمي (Quisling) يُستخدم للدلالة على نمط من الفاعلين السياسيين الذين يتعاونون، عن قناعة أو مصلحة، مع قوى الاحتلال أو الأعداء، ضد مجتمعاتهم. ومنذ ذلك الحين، صارت الكلمة مرادفةً لمفهوم العميل أو الذيل في الخطاب السياسي. وقد تكرّر ظهور هذا النمط في سياقات مختلفة، مثل شبكة تجسس ريتشارد سورغه في آسيا خلال الحرب العالمية الثانية، وفضيحة جواسيس كامبردج في بريطانيا، وفقا لما يسرده إيريك هوبزبوم.
في السياق الكردي، تطوّر مفهوم محلي لتصنيف “العميل الداخلي” لا يكتفي بالإحالة المجازية إلى “عضو” لا قيمة له أحيانا في التمييز بين الحيوان والآدمي، فابتكروا تسميةً خاصة به، هي “الجآش”، مستفيدين من النغمة الطريفة للعبارة العربية “جحش” وتخفيفها لتغدوا “جآش”. وهي ليست شتيمة ولا توصيفًا أخلاقيًا خالصًا، بل فئة أنثروبولوجية محلية قابلة للعدوى.
ينتشر اعتقاد غير دقيق بأن ظاهرة الجآش ظهرت مع نظام صدام حسين، الذي وظفهم لقتل الكرد في سلسلة جرائم الإبادة “الأنفال”. غير أن تتبّع المصادر التاريخية يُظهر أن الجذور الأعمق للظاهرة تعود إلى أواخر العهد العثماني، بل ويمكن رصد ملامح أولية لها في القرن السابع عشر، ضمن صراعات النفوذ المحلية التي اتخذت أحيانًا طابعًا عشائريًا أو سلطويًا أكثر من كونها وطنيًا خالصًا. وفي كتابه الميراث الأخير للخلافة (The Caliph’s Last Heritage)، يشير مارك سايكس إلى شكاوى متعددة تلقاها من سكان كردستان، طالبوه خلالها بنقل تظلماتهم إلى السلطنة، بسبب تجاوزات بعض فرق الحميدية التي تصرّفت كميليشيات منفلتة تابعة للسلطان عبد الحميد. ويبدو أنها استمرت لاحقا في عهد الأتاتوركية وفقا لبعض الملاحظات التي ذكرها نورالدين ظاظا في مذكراته.
الانتماء ليس قدرًا عرقيًا، بل تصوّرًا ثقافيًا عن الذات، إذ يمكن للمرء أن يكون ابن جماعته بيولوجيًا، ومنقلبًا عليها أخلاقيًا. فالانتماء القومي بناءٌ ثقافي وسياسيّ قابل للتحوّل والتوظيف الأيديولوجي. وعليه، فإن مفهوم “العمالة” في هذا السياق ليس صفةً جوهرية مرتبطةً بالجذور، بل وظيفة سياسية يمكن أن يؤديها أفراد أو نخب، كما حدث في نماذج كثيرة عبر التاريخ: فعدونا هاكان فيدان مثلا كردي المنشأ وهمجي الهوية، ومحمد كرد علي وأديب الشيشكلي مجرد Quisling ساهموا في إدخال الغزاة إلى أرضنا. والنسخة الجديدة من الـ جآش، توفرها بزخم المنصات الإعلامية لتنظيم القاعدة المحتل لسوريا.
