فواز عبدي

حين أقرأ صباحاً في وسائل التواصل الاجتماعي، ينقبض قلبي أمام سيل الكلمات المتدفقة كالسهام؛ بعضها طائش وأكثرها مصوَّب بعناية نحو العقل والذاكرة.. مشاعر منفلتة، وأفكار مشوَّهة، وأقنعة تتكاثر. كل فريق سياسي قد شكّل قطيعاً إعلامياً –رغم قسوة الوصف، لا أجد أدقّ منه- من المنافقين والداعسين على الأخلاق، لهم خبرة كبيرة في زرع الأحقاد، في تشكيل جبال من الفتنة على أنقاض الوعي والتاريخ! وربما الأكثر إثارة للأسى أن هذا يحدث أمامنا كل يوم، حتى صار العاديُّ فيه غيرَ عاديّ.
أتساءل: من أين يأتي الإنسان بكل هذا وهو “أذكى” الكائنات على هذا الكوكب؟!! كيف ينسى التاريخ وهو المتشدق به؟! كيف يتغنى بالحرية والكرامة في العلن، وحين تتحدث معه عن حرية وكرامة غيره، يتحول إلى كائن غريب، كائن أناني، يريد الحرية لنفسه فقط، و لا يرغب حتى في تقاسم الخبز إلا مع صورته في المرآة!
في الساحات العامة يتحدثون وكأنهم ملائكة؛ يتحدثون عن الديمقراطية وكأنهم آباؤها، يتحدثون عن العدالة وكأنهم قادمون من كوكب الفضيلة! يتحدثون عن حقوق الإنسان وكأنهم قضاة على الصراط المستقيم! وحين ينتقل الحديث إلى التطبيق العملي! يا ساتر! يا لطيف! وكأن سحراً مسّهم، وفي أبسط اختبار: اختلاف في الرأي، موقف سياسي، أو حتى حادثة يومية بسيطة، عندها يتحولون في لحظات إلى كائنات أخرى؛ كائنات أنانية، متقلبة، لا تفكر إلا بمصالحها.. بمعنى أن كل ما كانوا يتحدثون فيه، يريدونه لأنفسهم فقط!
يتحدثون في التاريخ ليل نهار، لا ليتعلموا من أحداثه! وإنما لليِّ عنقه وأخذه في الاتجاه الذي يخدمهم.. يتحدثون عن الشعوب التي تصالحت مع أنفسها بعد قرون طويلة من الحروب التي لا تأتي إلا بالدمار، ثم يمضون في الاتجاه المعاكس تماماً: يزرعون الدمار ذاته الذي يحذرون منه. ينسون أن التاريخ ليس مرآة نمدح أنفسنا فيه، وإنما هو جرح يجب أن نلمسه لنشفى.
بطبيعته، يحب الإنسان الأقنعة، وجاءت المنصات الرقمية، وسائل التواصل الاجتماعي، لتضاعف هذه الأقنعة، وتمنح كل واحد قناعاً إضافياً يكتب به ما لا يفعل، ويهاجم ما لا يفهم. وخلف هذه الأقنعة يسير كثيرون في ركب القطيع دون تفكير، دون قراءة، ودون مساءلة. فبمجرد رؤية اسم ما يبدأ التهجم عليه وإنزاله إلى سابع طبقات الجحيم، أو مدحه ورفعه إلى سابع سماء من المجد والنعيم!! دون قراءة ما تحت ذلك الاسم من كتابة أو موقف أو فكرة، أو نص..
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الخطابات – بكل أنواعها- بقدر حاجتنا إلى النظر بشجاعة في التفاصيل، النظر دون قناع، وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل نريد الحرية فعلاً؟ أم نريدها فقط حين تكون لنا ؟!
الحرية يا صديقي لا تقاس بما نقوله.. الحرية تقاس بمقدار ما نستطيع منحها للآخر.
الحرية التي لا تُمنَح، ليست حرية، بل امتياز مغلف بشعارات…
والحرية تتحقق حين نصونها عند اختلافنا، لا عند اتفاقنا.