وليد طاهر

“​ البقعة الجغرافية التي تنتمي إليها وهي تنتمي إليك هي عنوان هويتك” تحمل في طياتها عمقًا فلسفيًا واجتماعيًا يربط الهوية الأصيلة بالمكان والجذور التاريخية والثقافية، متجاوزًا الحدود السياسية المستحدثة أو المسميات الدخيلة. هذا الطرح يجد صداه القوي في واقع الشعوب التي قُسّمت أراضيها أو فُرضت عليها انتماءات وطنية قسرية، والواقع الكردي في سوريا هو مثال بارز على هذه الإشكالية المعقدة.
​1. الجذور والهوية الأصيلة
​الجذور الجغرافية والتاريخية: الانتماء الأعمق هو الانتماء إلى الأرض التي سكنها الأجداد عبر التاريخ، حيث تشكل هذه الأرض الذاكرة الجماعية والمستودع الثقافي للشعب. هذه “البقعة الجغرافية” هي الثابت الذي لا يتغير بتغير الأنظمة أو خطوط الحدود.
​الهوية كجوهر ثابت: الهوية هنا ليست مجرد وثيقة رسمية (كالجنسية السورية)، بل هي جوهر الإنسان الذي يتشكل من اللغة، والثقافة، والتاريخ المشترك، والعادات والتقاليد. بالنسبة للكردي، فإن هذه المكونات هي التي تجعله كرديًا أولًا.
​عدم الاعتراف بالأسماء الدخيلة: المقولة تشير إلى أن التسميات الإدارية أو السياسية المفروضة (مثل “سوريا”) لا تلغي الانتماء الجذري. هذه الأسماء غالبًا ما تكون نتيجة اتفاقيات دولية (مثل سايكس بيكو أو معاهدة لوزان) قسمت الشعب الكردي بين أربع دول، ما جعل هذا الانتماء “فرضًا وليس اختيارًا”.

​2. إشكالية الانتماء المزدوج في الواقع الكردي
​يواجه الكردي في سوريا تحديًا فريدًا يتمثل في التنازع بين انتماءين رئيسيين:
​الانتماء القومي الكردي (الجذر): هو الانتماء الأساسي والطبيعي القائم على الأصل العرقي، واللغة الكردية، والتاريخ الممتد في منطقة كردستان التاريخية (التي تضم أجزاء من سوريا، وتركيا، وإيران، والعراق). هذا الانتماء يوفر له هويته الثقافية والاجتماعية التي لا يستطيع التخلي عنها.
​الانتماء الوطني السوري (الفرض): هو انتماء سياسي وإداري مفروض بحكم الواقع بعد نشأة الدولة السورية الحديثة. هذا الانتماء يربطه بإطار الدولة والمواطنة، ولكنه غالبًا ما يكون مصحوبًا بـ:
​غياب الاعتراف الكامل: تاريخيًا، عانى الكرد في سوريا من سياسات إنكار وجودهم القومي، وحرمانهم من الجنسية في بعض المراحل، ومحاولات تعريب المناطق الكردية (مثل مشروع الحزام العربي)، ما أضعف شعورهم بـ “المواطنة المتساوية” داخل هذا الإطار.
​صراع الهوية: هذا الواقع خلق لدى الكثيرين تفضيلاً لـ “الكردستانية” على “السورية”، خصوصًا في أوقات الأزمات والتوتر السياسي، حيث يظهر الانتماء القومي كملجأ لحماية الهوية والجذور.

​3. الانتماء الواعي مقابل الإكراه
​الانتماء الحقيقي والمستدام هو الانتماء القائم على الوعي والاعتراف المتبادل.
​الانتماء الفطري: الانتماء إلى الجذور (كردي) هو انتماء فطري
وعاطفي نابع من الوجود الإنساني على أرض الآباء والأجداد.

​المواطنة بالإكراه: عندما تكون الدولة (سوريا) غير قادرة على ضمان حقوق الأفراد، أو تمارس سياسات الإقصاء والتهميش، يصبح الانتماء لها انتماءً قسريًا أو إداريًا، ويفقد المواطن شعوره بالانتماء الكامل لـ “الوطن” بالمعنى الحضاري والاجتماعي.