د.محمود عباس

قد يقبل الكوردي، في المرحلة الراهنة، بسوريا كوطنٍ عابر ومؤقت، ولكن ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلا ضمن شروط واضحة وصارمة؛ شروط تضمن أن يكون هذا “الوطن” مساحة آمنة تُصان فيها الذات الكوردية، وتُحترم فيها قيمه وتاريخه وحقوقه، وأن يكون مدخلًا لبناء وعي جديد يسمح للكوردي بأن يرى نفسه داخل الإطار الوطني السوري دون أن يضطرّ للتنازل عن وطنه الأصل: كوردستان.
ذلك أنّ الانتماء السوري لا يمكن أن يُفرض قسرًا، ولا يمكن أن ينجح إن جاء خصمًا من رصيد الانتماء القومي، أو بديلاً عنه. فالهويات لا تُبنى على الإنكار، ولا تُفرض من أعلى، بل تتشكّل من خلال عقد اجتماعي–سياسي يضمن للأمم المكوّنة حرية تقرير مصيرها، ويحمي حقوقها الثقافية والسياسية، ويعترف بعمقها التاريخي على أرضها. ومن دون دستورٍ عصريّ يعترف بالكورد كشعب، ويضمن لهم إدارة ذاتية حقيقية، ويحمي لغتهم وذاكرتهم الجغرافية، لن يتمكّن أي مشروع وطني سوري من أن يكون جامعًا أو قابلًا للحياة، وسيظل الكوردي في موقع الرفض أو التحفّظ أو الاضطرار إلى التنازل القسري.
فالكورد ليسوا “مكوّنًا يُدمَج”، بل شعبٌ له أرض وتاريخ وهوية، وأي إطار وطني لا ينطلق من هذه الحقيقة سيبقى منقوصًا ومفروضًا، وسيعجز عن اكتساب شرعية مستدامة. ولذلك فإنّ قبول الكوردي بسوريا كوطن مشروطٌ بأن لا يتحوّل هذا القبول إلى عملية محو للهوية الكوردستانية، أو إلى غطاء لإعادة إنتاج المركزية العروبية التي سادت طوال قرن.
ومنذ تكوين سوريا كدولة لقيطة لم تنشأ على أسسٍ طبيعية أو عقد اجتماعي واضح، لم تتمكّن يومًا من التحوّل إلى وطن. فالأنظمة المتعاقبة، من الانتداب إلى البعث إلى سلطة الأسد، إلى الجولاني، صنعت ثقافة سياسية موبوءة، قائمة على الإقصاء والقومية الأحادية، وقضت على كل الاحتمالات التي كان يمكن أن تُحوّل سوريا إلى دولة تتسع للكوردي كما تتسع للعربي. وما لم يُعالج هذا الجذر البنيوي المختل، وما لم يُعاد تشكيل سوريا على أسسٍ تعددية فيدرالية تعترف بكوردستانيتها التاريخية، فسيبقى “الوطن السوري” بالنسبة للكوردي مجرد إطار قسري لا يحمل من معنى الوطن شيئًا.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية