ديندار خاشو

تواجه الجالية الكردستانية في بلدان الاغتراب جملة من التحديات المتشابكة التي تستدعي قراءة هادئة ومتوازنة. فمع اتساع حجم الجاليات وتنوع تجربتها الاجتماعية والسياسية في أوروبا، يبرز سؤال أساسي: هل تسير هذه الجالية في الاتجاه الصحيح بما ينسجم مع متطلبات العمل المجتمعي والنضال الكردي العام؟

من الملاحظ أن التداخل الحزبي ما زال حاضرًا في كثير من مفاصل الجالية، سواء عبر الأطر التنظيمية أو النشاطات العامة. هذا التداخل، رغم أنه قد يحمل في بعض الأحيان جوانب إيجابية تتعلق بالخبرة أو التنظيم، إلا أنه يطرح إشكاليات حقيقية عندما يتحوّل إلى عامل هيمنة يقيد استقلالية الجالية ويحدّ من قدرتها على العمل بحرية.

وتجربتنا في الوطن لا تزال مثالاً واضحًا على هذه الإشكالية. فمن خلال تجربتي الشخصية في بداية ما سُمّي بالثورة السورية – التي تحوّلت لاحقًا إلى حالة رهينة للفكر المتطرف – حاولنا نحن كأحزاب، وبشكل عام، إنشاء تنسيقيات مستقلة تحمل روح العمل المدني الحر. إلا أن تلك التجربة، رغم النوايا الصادقة، فشلت في تحقيق استقلاليتها بسبب التنافس الحزبي وتضارب الأجندات.

إن استحضار هذه التجربة اليوم يسلّط الضوء على أهمية تجنّب تكرار الأخطاء ذاتها داخل الجاليات في أوروبا.

إن الاعتماد المفرط على الأطر الحزبية قد يؤدي إلى تقييد المبادرات المدنية، ويجعل الجالية أقرب إلى مرآة للصراعات الداخلية بدلاً من كونها منصة لتطوير هوية قومية جامعة. وهنا تبرز المخاوف من أن يتحول هذا المسار إلى ابتعاد تدريجي عن النضال الكردي المشترك الذي لطالما كان عامل توحيد للكرد في مواجهة التحديات.

وفي المقابل، تمتلك الجالية الكردستانية في أوروبا فرصًا مهمة لتعزيز دورها، مستندة إلى بيئة ديمقراطية تتيح لها:

بناء مجتمع مدني مستقل وفعّال.

تطوير مؤسسات تمثل الجالية بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية.

تحويل حضورها إلى قوة تأثير إيجابي لصالح القضية الكردية على المستوى الدولي.

إن مستقبل الجالية سيكون أكثر استقرارًا وفاعلية عندما تتمكن من إيجاد توازن صحي بين احترام التعددية السياسية من جهة، وبين حماية استقلالية العمل المجتمعي من جهة أخرى. فالمسار الأمثل يكمن في تعزيز العمل المشترك الذي يضع المصلحة القومية فوق الاعتبارات الحزبية.

الجالية الكردستانية تمتلك من الإمكانيات والطاقات ما يؤهلها لأن تكون نموذجًا للعمل المؤسسي الناضج، شريطة أن تعيد النظر في علاقتها بالبنى الحزبية وتؤسس لرؤية تستوعب الجميع ضمن إطار وطني شامل.