د.خيرالدين حسن
قبل أيام كنتُ أتحدث مع أحد أصدقائي الأطباء الذين أثق برأيهم كثيرًا، وكما يحدث غالبًا، انزلقنا سريعًا إلى نقاش واسع حول مستقبل سوريا وما ينتظرها من تغيّرات. وفي منتصف الحديث وجدت نفسي أسأله سؤالًا مباشرًا:
إذا افترضنا أن الكرد في سوريا تخلّوا عن مشروع روجاڤا بكل ما يمثّله لهم… فهل أنتم، كعرب، مستعدون للتخلي عن اسم “الجمهورية العربية السورية” وهويتها القومية العربية؟
لم أسأله من باب التحدّي، بل لأختبر معيار العدالة الذي يُبنى عليه الحديث عن “السقف الوطني”.
في كل نقاش سياسي حول مستقبل سوريا، يُطلب من الكرد دائمًا أن “يُخفّضوا” سقف مطالبهم، وأن ينسوا روجاڤا، وأن يقبلوا بحلّ إداري صغير ضمن إطار لم يشاركوا أصلاً في صياغته.
لكن السؤال الذي لا يُطرح: ما هو هذا السقف الوطني أصلًا؟ ومن الذي حدده؟
أليس هو سقفًا عربيًا خالصًا فُرض لسنوات طويلة دون أي اعتراف بالتعدد؟
الكرد في سوريا لم يبتكروا روجاڤا من فراغ. هذا المشروع ظهر بعد:
• عقود من الإنكار
• سياسات تعريب مستمرة
• حرمان واسع من الحقوق الثقافية واللغوية
• وإقصاء كامل عن القرار السياسي.
ومع ذلك ما زال يُطلب منهم التنازل عن حلمهم، مقابل وحدة وطنية لم يُسمح لهم يومًا بالمشاركة في تعريفها.
وعندما نقلب المعادلة يظهر التناقض بوضوح:
هل العرب مستعدون للتخلي عن هوية الدولة الرسمية إذا كان المطلوب بناء شراكة جديدة؟
هل يمكن بسهولة إزالة كلمة “العربية” من اسم الدولة لصالح صيغة أكثر عدلًا وشمولًا؟
إذا كان الجواب صعبًا أو مترددًا، فهذا يعني ببساطة أن الأحلام القومية ليست حكرًا على الكرد، وأن الوطنية السورية، كما قُدمت، كانت محمّلة بأولوية قومية واحدة.
الكرد لا يطلبون أكثر من معادلة عادلة:
كما أن للعرب حلمًا قوميًا، للكرد أيضًا حلم. وإذا كان هناك طرف يُطلب منه أن يتنازل، فيجب أن تكون المعايير واحدة، لا أن يبقى طرف محتفظًا بكل امتيازاته بينما يُطلب من الطرف الآخر التخلي عن كل شيء.
روجافا ليست مشروع انفصال بقدر ما هي محاولة لخلق مساحة آمنة سياسيًا وثقافيًا داخل بلد لم يعترف أصلًا بوجود الكرد.
وإذا أردنا مستقبلًا قائمًا على شراكة حقيقية، فهذه الشراكة تبدأ بالاعتراف المتبادل:
• اعتراف العرب بأن سوريا ليست عربية بالكامل
• واعتراف الكرد بأن مستقبلهم يحتاج إلى تفاوض عادل لا إلى صدام أو عزلة.
المعادلة واضحة:
حين يتخلى الطرف الأقوى عن امتيازاته القومية، يصبح النقاش حول تنازلات الكرد منطقيًا وممكنًا.
أما أن يبقى طرف ممسكًا بكل شيء بينما يُطلب من الآخر أن يفرّط بكل شيء… فهذه ليست شراكة بل إعادة إنتاج للظلم.
وفي النهاية، ليست المشكلة في الأحلام القومية نفسها، بل في السماح لحلم واحد فقط بأن يتحول إلى دولة كاملة، بينما يُطلب من حلم الآخرين أن يموت بصمت.
