جوان ديبو

النظرة الأولية وكذلك الفاحصة توحي بأن معظم إن لم يكن جميع الدول القابلة للاختراق هي ذات حكم مركزي وبالتالي استبدادي وفاسد. ومعظم أو جميع الدول غير القابلة للاختراق هي ذات نظام حكم ديمقراطي بغض النظر عن الحجم والقوة والموقع الجيوسياسي. وبالتالي هناك علاقة تبادلية بين الحكم المركزي المستبد وبالضرورة الفاسد وبين الوهن والهشاشة المحلية، وبالتالي خلق الأرضية المناسبة للآخرين المتربصين في التدخل والتغلغل في الشؤون الداخلية بما يتوافق مع مصالحهم وأجنداتهم فقط. فالحكم المركزي المستبد الفاسد يخلق مجتمعات هشة متخمة بالمشكلات السياسية والتناقضات الاجتماعية مثل الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى إثارة وتأجيج الفتن الطائفية والعرقية بهدف تسيد المشهد من خلال التحكم بخيوط اللعبة التي يخلقها النظام المركزي المستبد الفاسد الذي لا يؤسس لدولة قابلة للبقاء والاستدامة وإنما لسلطة مخابراتية قمعية احتكارية. فالتنوع العرقي والديني والمذهبي لا يشكل ذريعة أو قدرة للتدخل إلا عند عجز الدولة المركزية المستبدة الفاسدة عن فهم هذا التنوع ووضعه في سياقه التاريخي السليم ودفع الاستحقاقات. فالتنوع العرقي والديني والمذهبي في الكثير من الدول الديمقراطية أكبر وأعقد بكثير من التنوع الموجود في الدول المستبدة، ومع ذلك لا تعاني من الاختراق ولا من احتمالات الاختراق، والسبب أن الجميع متساوون أمام القانون والجميع يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات واحترام الخصوصيات. نظام الحكم المركزي المستبد الفاسد هو من يخلق دولة ومجتمع قابلان للاختراق والتغلغل والانقياد، والحل السحري الوحيد والصعب في آن معا هو الاستعاضة عنه بنظام حكم ديمقراطي لا مركزي فيدرالي. الجديد في هذا الحقل هو ما يفعله نظام أبو محمد الجولاني في دمشق حيث يدعو علانية عديد الدول القريبة والبعيدة مثل تركيا وغيرها للقيام بفعل الإختراق في سوريا المخترقة أصلاً، وبذلك نشهد ربما مثالا جديدا في العلاقات الدولية، يدعو فيه زعيم تبوأ السلطة بمباركة دولية وإقليمية تواق لإعادة بناء نظام حكم مركزي مقيت، إلى التدخل العلني في بلاده لتمكين حكمه ولإضعاف الخصوم المحليين. نظام الحكم المركزي المستبد الفاسد يخلق الأرضية المناسبة للآخرين لإعمال الاختراق في دولته ومجتمعه. وبالتالي لا يوجد اختراق قسري أو قهري وإنما الاختراق هو دائماً طوعي وإرادوي يُصاغ ويُصنّع من قبل أنظمة الحكم المركزية الاستبدادية الفاسدة ويقدم كهدية مجانية لعديد المتربصين التواقين لفعل الاختراق.