أحمد إسماعيل إسماعيل

بعيداً عن السياسة وأنظمة الحكم، وقريباً من حياتنا اليومية..
كلنا يذكر أن الأب كان في عوائلنا هو المركز، وكان البيت يُعرَف بأنه (بيت الأب، بيت بابا). ومع تغيّر الزمن وتبدّل الظروف، بدأت تلك المركزية تتراجع لصالح أفراد العائلة، فأصبح لكل فرد شخصيته ومساحته وقراره.
العائلات التي لم يستطع فيها الأب مواكبة هذا التحول، عانت ضغطاً مادياً ونفسياً، وانفجرت فيها المشاكل والخلافات، وانتهى بعضها إلى الانفصال والقطيع بل العداوة.
فالأب الذي لم غيب شخصية زوجته داخل البيت، وظلّ يتحكم بكل التفاصيل من المطبخ وأنواع الطعام والصالون وترتيبه إلى غرفة النوم وبرامج التلفاز و تحديد نوع الزيارات… وجد نفسه أمام زوجة تطلب الانفصال.
والأب الذي تدخل في خيارات أبنائه من الدراسة إلى الزواج والعمل والأصدقاء… وجد أولاده يغادرون البيت في أول فرصة تتاح لهم.
ولنجد مثل هؤلاء الآباء، يخرج بعضُهم ليتهم زوجته بالانحراف وأولاده بالعقوق، والجيران والأقارب بالمؤامرة، فقط لأن أفراد عائلته مارسوا حقهم الطبيعي في اختيار حياتهم.
وبعيداً عن الشرح الطويل، نحن جميعاً، من يؤيد سلطة الأب المطلقة أو من يعارضها، ندرك أنه لم يعد ممكناً اليوم ممارسة دور “سي السيّد” كما كان قبل قرن؛ فقد أصبحت للمرأة خصوصيتها داخل البيت وخارجه، وكذلك للابن والكنّة والبنت… وحتى الأطفال.
والأب الذي يصرّ على تجاهل هذه الحقيقة، حتى لو بدافع الحرص، لا الاستبداد، يخسر كل شيء في النهاية. وقد سمعنا جميعاً عن عائلات وصلت خلافاتها إلى حد أن يتمنى الأبناء موت أبيهم المستبد.
وهذا المثال البسيط ينسحب بدقة على الأحزاب الشمولية والحكومات المستبدة والقادة المنفردين بالسلطة، ممن يرددون نفس حجج الآباء المستبدين: عدم نضج الأبناء، قصور وعي المرأة، تهوّر الشباب، تدخل الغرباء، مؤامرات الأعداء…
وإذا كان الأب الذي وزّع سلطاته داخل الأسرة، واحترم خصوصية كل فرد ومنحه حرية القرار، قد حافظ على هيبته ومحبته… فإن السلطات تستطيع أن تفعل الشيء نفسه في بلدانها ومع شعوبها.
وعلى مستوى الأفراد، ولنستخدم التغريب، وأعني به الانفصال عن هذا الإيهام والانغماس في حالة الجموع، لنتأمل الحالة عن بعد، زمني ومكاني، فيعود أيّ واحد من دعاة المركزية عن طيبة وغيرة، ولا علاقة لي هنا بمن يدعو إليها عن عن سابق حقد، وانانية، فيتأمل حياته: علاقته بأبيه، علاقته بزوجته، أو علاقته بأبنائه اليوم… يقيناً أنه سيدرك أن السلام الذي ينعم به في بيته مرده إلى اللامركزية التي يمارسها في بيته، و يطالب بها إن غابت.
فلا أحد منا يعيش سعيداً وهو مُسيَّر كعبد، حتى لو كان الآمر أبا، وليس قائد وزعيم..
والأب الذي يحترم هذه الحقيقة، يبقى موضع احترام مهما تغيّر الزمن.
ويبقى بيت الأب هو بيت العائلة كلها، لا “بيت بابا” وحسب.
وهكذا يجب أن تكون علاقة الرئيس بشعبه…
وكذلك علاقة العاصمة بكل البلاد.
بيت الشعب بكل مكوناته.