د.خيرالدين حسن

سؤال الكرد الذي لم يعد يحتمل التأجيل
ما يشهده الواقع السوري اليوم ليس مجرد حدث عابر أو إساءة عرضية من مجموعة متطرفة. الإهانات المتكررة والشعارات العدائية التي تُرفع علناً ليست خلافات اجتماعية عابرة، بل إعلان صريح عن استمرار عقلية المخابرات البعثية، حتى لو ارتدت أقنعة جديدة أو ادعت الالتزام بقيم الثورة والحرية.
نحن، الكرد في سوريا، قضينا عقوداً نبني جسوراً من القواسم المشتركة: دين واحد، وطن واحد، مصير مشترك. سامحنا الأخطاء، تجاوزنا الإساءات، وقفنا إلى جانب الجميع في أحلك اللحظات، عندما كان الاستبداد يحصد الأرواح. لكن في كل مرة نمتد فيها بيد التعاون، تظهر يد أخرى تدفعنا إلى الهامش، أو تعيد طلاء الجدران بألوان الإنكار القديمة، كما في أيام حافظ الأسد وابنه بشار.
الألم الحقيقي ليس في الفعل ذاته، بل في الرسالة الكامنة خلفه: “نحن لا نقبلكم، ليس لاختلافكم، بل لأنكم كرد”. هذا هو الجرح الذي لا يندمل.
في قامشلو، أعاد الكرد مؤخراً تسمية “دوار الباسل” إلى “دوار روج آفا”، ورسموا حدود منطقتهم كما يرونها، من شرق الفرات إلى عفرين. هل يُعد هذا تصعيداً عدائياً؟ بالتأكيد لا. إنه رد فعل طبيعي لشعب يواجه ضغوطاً مستمرة من الإهانة والإنكار والتشويه المتعمد. عندما يُرفض الاعتراف بك، تبدأ في رسم هويتك بنفسك، وتحمي مساحتك الخاصة.
الأمر اللافت أن الذين أطلقوا اسم “الباسل” على الدوار هم أنفسهم الذين يرفعون اليوم شعارات جديدة، معيدين إنتاج الذهنية ذاتها التي هربوا منها ظاهرياً: نفس اللغة، نفس النهج، نفس العفن السياسي الذي أدى إلى تفتيت سوريا.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بكل صراحة: إلى متى يُطلب من الكرد التحمل؟ إلى متى يُتوقع منا أن نهين أنفسنا بحجة الحفاظ على “الأخوة”؟ إلى متى نكون نحن الطرف الذي يعتذر ويهدئ ويبرر، بينما يستمر الآخرون في تكرار الخطاب الذي دمر البلاد؟
نعم، ابتعدنا عنهم، ليس رغبة في الانفصال، بل لأن كل يوم يمر يؤكد أن جزءاً كبيراً من المجتمع لم يتخلص بعد من عقدة “السيادة القومية” التي غرسها النظام البعثي في العقول على مدى عقود. المشكلة ليست في هويتنا الكردية، بل في عدم قدرة البعض على تصور سوريا كشراكة حقيقية يشارك فيها الكرد كشركاء متساوين.
هؤلاء – سواء كانوا بعثيين سابقين أو معارضين حاليين – يفشلون في فهم أن علاقات الشعوب لا تبنى على الإهانة أو الشعارات المرفوعة، بل على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالحقوق المتساوية، والحفاظ على الكرامة للجميع. الكرامة التي يحاول البعض اليوم انتزاعها من الكرد، لكنهم لن ينجحوا.
في الخلاصة، من حقنا أن نعلن: كفى. من حقنا رفض الإهانة، وإعادة تسمية شوارعنا وساحاتنا بما يعكس هويتنا وذاكرتنا ونضالنا. أما أولئك الذين يتمسكون بصناديق البوية وذاكرة المخابرات، فهم يبقون أسرى فكرهم القديم، لا أسرى لنا.
نحن لا نطالب بالمستحيل؛ نطالب فقط بمعاملة كشعب متساوٍ، لا كأقلية “مُتسامح معها” حسب مزاج الأكثرية. وحتى يتحقق ذلك، سنستمر في كشف هذا الخطاب، ولن نسكت بعد اليوم.