د. حمزة عيسى

في بلدٍ عاش على فوهة الاستبداد لعقود، لم تكن مهن الناس يومًا معيارًا للكرامة أو العار، بل كانت مرآةً لظلمٍ سياسيّ ممنهج جعل شعوبًا كاملة تبحث عن لقمة العيش في الهامش، بينما فُتحت أبواب السلطة والثراء لفئةٍ واحدة خُدمت بالامتيازات والولاءات.
يعيرون الكرد بأنهم “صباغو أحذية” و”عمال مطاعم” و”بوّاجية”، وكأن العمل الشريف عار، وكأن لقمة الخبز التي تُنتزع بتعب الكفّ هي تهمة تستحق السخرية.
لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه المهن لم تكن خيارًا طوعيًا بقدر ما كانت نتيجة سياسات دولةٍ قررت منذ 1958 أن تُقصي الكرد من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن تدفعهم دفعًا إلى الهجرة الداخلية، وإلى أعمال التشرد لا حبًا بها بل بحثًا عن الحياة.
جُرّد عشرات الآلاف من الجنسية السورية في “الإحصاء الاستثنائي”، صودرَت أراضٍ في “الحزام العربي”، وهُدمت بيوت، وفُتحت أخرى لوافدين جُلبوا عمداً لتغيير ديمغرافية المنطقة. ومع ذلك، بقي الكرد يعملون بكرامة، ويسعون بجهد، ولم يمدّوا يدًا لظالم، ولم يبيعوا وطنًا ولا موقفًا.
أما الشوفينية — أيًّا كان لونها — فهي العار الحقيقي.
العار أن يظنّ البعض أنه من “شعب الله المختار”، وأن يحق له أن يحتقر الآخرين، وأن يقيس قيمة الإنسان بعرقه أو طائفته أو لقبه الوظيفي.
وحين انهارت الدولة تحت فسادها، وحين سقطت البراميل على البشر بلا تمييز، وحين فُتحت طرق اللجوء نحو المجهول، لم تكن المأساة حكراً على قوم دون آخر. السوريون جميعًا نزفوا، جميعًا هُجّروا، لكنّ البعض حمل معه قيمه، وبقي إنسانًا في الغربة، يعمل بكرامة ويحافظ على شرفه. والبعض الآخر — مع الأسف — استغل الفوضى ليبيع كل شيء: مبادئه، شرفه، وحتى أهله… ثم يعود اليوم ليلقي محاضرات في الوطنية!
ليست هذه قصة الكرد وحدهم، بل قصة سورية كلّها:
بلدٌ مزّقته العنصرية والطائفية، وضاعت فيه المواطنة بين سطور أجهزة الأمن، واستُبدلت قيم العمل والشرف بقيَم الولاء والفساد والمحسوبيات.
لن تنهض سوريا ما دام بعض أبنائها يرون في الهويّة عاراً، وفي العمل الشريف مصدراً للسخرية، وفي الاختلاف سببًا للإلغاء.
ولن تبنى دولة عادلة إلا حين يُفهم أن قيمة الإنسان بما يقدّمه، لا بما يبيعه… وبما يدافع عنه، لا بما يتخلّى عنه.
الكرامة ليست مهنة، والعار ليس عملاً…
الكرامة أن تبقى إنسانًا.
والعار… أن تكون شوفينياً يعتاش على كراهية الآخرين.