أحمد إسماعيل إسماعيل
الحوار ليس ثرثرة ولا ترفاً، بل فعل حضاري وأخلاقي ينفرد به الإنسان دون غيره من الكائنات، فإذا كان في أوقات السلم ضمانة للاستقرار، وحافزاً للتقدم والإبداع، فإنه في الأوقات العصيبة يتحول إلى جوع؛ والجوع إلى الحوار كالجوع إلى الخبز والحرية، مآله إلى كفر؛ كفر قد لا يذر ولا يبقي.
وجوع مجتمعاتنا إلى الحوار، هنا والآن، كما كانت قبل الآن، لا يقتصر على الحوار مع السلطة، رغم أهميته وأولويته في هذه الظروف، بل هو جوع إلى حوار أشمل حسب ما جاء في كلمة سعد الله ونوس التي ألقاها في يوم المسرح العالمي سنة 1996:
“حوار متعدد، مركب، شامل، حوار بين الأفراد، حوار بين الجماعات، ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء”.
وبغير هذا النوع من الحوار الشامل والمتعدد؛ حوار الأحزاب مع بعضها البعض، وحوار الأحزاب مع المثقفين ومع الشارع، وحوار المثقف مع السياسي والحزبي والشارع، وحواره في الوقت عينه مع المثقف المختلف معه وعنه، وحوار كل فرد مع كل فرد آخر: الشريك مع الشريك، المدينة مع القرية، الرجل مع المرأة.. الأب مع ابنه… بغير ذلك كله، ومع استمرار ثقافتنا الحالية المبنية على التفرد والإقصاء أنى وجدنا، ستستمر هذه الأزمة حتى ولو لم يستمر النظام في البقاء: النظام القائم، أو حتى النظام القادم.
وإلى أن تجود الحياة علينا بسياسي، أو غير سياسي، يطلب، مثل ديغول، من مستشاره ألا يؤيد كل ما يتفوه به، بل يقول: “قل لا، كي أعرف أننا اثنان.” إلى تلك اللحظة أو الزمن، علينا أن نعترف بالآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون: شخصاً كان هذا الآخر، أم معارضة، أم شعباً.
فلا وجود لشخص بدون وجود الآخر، ولا شرعية لنظام بلا وجود معارضة حقيقية، ولا وجود لشعب حر يستعبد شعباً آخر. أو يوافق على استعباده، أو يتجاهله.
(جزء من مقال قديم لي نشر في موقع “ولاتي مه” حوالي سنة 2012 ثم في كتابي تشريح الخيانة الصادر سنة 2021 )
أعدت نشره لصلاحيته اليوم أيضاً
