أحمد إسماعيل إسماعيل
يكرّر كثير من الإخوة العرب في سوريا اتهام الكرد بالعمالة لإسرا..ئيل وبالنزعة الانفصالية، ويستندون غالباً إلى ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما يستندون إلى بيانات حزبية أو مواقف سياسية رسمية.
لكن قلّة فقط منهم تكلّفت عناء البحث في أسباب تغيّر المزاج الكردي، وانتقاله من تأييد القضية الفلسطينية والدفاع عنها حتى حدّ الاستشهاد، إلى اللامبالاة بل المعارضة أحياناً.
وبالعودة قليلاً إلى الوراء، والتنقيب في زوايا الذاكرة غير المثقوبة لدى بعضهم، يمكن أن يعثر أي منصف على وقائع وصور وشهادات كافية لتفنيد الاتهامات الجاهزة. وسيكتشف أن ما يصدر عن قطاعات واسعة من الكرد، من العامة وأحياناً من بعض النخب، ليس نتيجة فساد مزاج أو بيع مواقف أو أوهام تُغذّيها نزعات غريبة؛ بل هو نتاج تراكم طويل من الغدر وخذلان صدر ممّن يقدّم الكرد لهم الدعم والتأييد.
ومن المناسب هنا ذكر أمثلة مختصرة، دون إسهاب، تاركاً للباحث الجاد والمنصف متابعة الموضوع ومعرفة جذوره:
لا حاجة للعودة إلى صلاح الدين الأيوبي أو يوسف العظمة أو سليمان الحلبي… بل يكفي التوقّف عند الزمن القريب الذي عايشناه نحن أبناء جيلي في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.
الصدمة الأولى للكرد، شباباً وشارعاً، يساريين ومتدينين، قوميين وشيوعيين، كانت في موقف منظمة التحرير الفلسطينية من القضية الكردية.
أذكر أننا كنّا نتسابق لشراء مجلة الحرية التابعة للجبهة الديمقراطية بقيادة نايف حواتمة، نتابع أخبار فلسطين واليسار العالمي، وكانت المجلة تنفد سريعاً من الأسواق في المدن الكردية. وما من منزل كردي في قامشلي، وأنا أحدهم، إلا وفيه مئات الأعداد من تلك المجلة.
لكن صدمتنا الأولى جاءت سنة 1982 عندما نشرت المجلة صور شهداء “قلعة شقيف”. وكان بينهم مقاتل كردي، أظن إن اسمه كان خليل أحمد. المفارقة أنّ المجلة كتبت كلمة شهيد بجانب أسماء جميع من سقط في المعركة، عدا الشاب الكردي!
أثار الامر حفيظتنا حينها، ولا أذكر تماماً فحوى رد المجلة، التي لم تعتذر عن هذا التصرف، لكننا واصلنا شراءها رغم المرارة.
ثم جاءت الصدمة التالية حين بدأت المجلة تنشر مقالات مؤيدة لصدام حسين أبان الحرب العراقية الإيرانية، ، وراحت توجه سهام النقد للحركة الكردية في العراق .أذكر حينها غضبنا نحن الشباب من هذا الموقف بالذات، وكان رد فعلنا أن انقطعنا عن متابعتها، كما حدث لاحقاً عام 2004 أثناء انتفاضة الثاني عشر من آذار، حيث هب الكرد في عموم سوريا دون سابق اتفاق وتخطيط.
حين قاطع الشارع الكردي المجلة، كتب رئيس تحريرها في أحد العدد الأخير على ما أعتقد، مادةً يشير فيها إلى تراجع مبيعات المجلة، ويعترف صراحة أن لموقف الكرد مما صدر فيها دور في هذا التراجع، لأن معظم قرّائها كانوا من الشباب الكرد، لكنه أكد أنهم سيستمرون في “مواقفهم المبدئية” حتى لو توقفت المجلة عن الصدور.
وبالفعل توقفت، وتخلّص كثيرون منا من أعدادها بلا اتفاق مسبق، بعد أن أصبنا بخيبة جماعية.
ثم تتابعت المواقف:
نُسب إلى مؤسس حركة “حماس” تصريحات معادية للكرد في العراق، واصفاً إياهم بـ”إسرا ئيل الثانية”، وهو توصيف كان قد صدر قبلها من تركيا وإيران على لسان رفسنجاني.
ونُسب لياسر عرفات كلام قاس بحق الكرد، رغم علاقاته الجيدة ببعض القادة الكرد، ومنهم الرئيس مسعود بارزاني، وأقول نسب لعدم وجود تصريح مصور أو مكتوب، كان التعليق بخصوص مجزرة حلبجة، قال لم سأله عن موقفه من مجزرة حلبجة:
“وهل تريدون أن يُنثر عليكم الورد؟”
وأكرر هنا القول، إن الكلام غير موثق ولكنه انتشر بشكل كبير في الشارع الكردي.
ثم جاءت مواقف بعض أعضاء المكتب السياسي لحركة “حماس” المؤيدة لدخول الفصائل المدعومة من تركيا إلى عفرين بحجة مواجهة “مشروع انفصالي”.
وأقصد هنا موقف عضو المكتب السياسي لحماس: خالد مشعل.
يضاف إلى ذلك مواقف حسن نصر الله وتصريحاته المعادية للكرد، وغيرها من مواقف القوى الإقليمية المناهضة للكرد.
كل هذه التراكمات لعبت دوراً أساسياً في تغيير مواقف الكرد، ولو شفاهياً، بل مزاجياً.
فبعد أن كانوا الداعم الأقوى للقضية الفلسطينية، وجدوا أنفسهم في حالة احباط وتجرع لمرارة الخذلان ممن كانوا يعدونهم رفاق الخندق الواحد.
وبينما كان الكرد يقدمون الدماء والأسرى، وأنا لدي قريب شارك تم القبض عليه وهو ضمن مجموعة من منظمة فلسطينية كانت تنوي القيام بعملية داخل اسر ائيل. ليمكث أسيراً في إسرائيل سبع سنوات، تم الافراج عنه في أوائل التسعينيات، وأضف موقف بعض كرد العراق الذين بادروا إلى التبرع لأهالي غزة مالياً، كما تبرع أحده بكل محصوله الزراعي لهم، وخرج مئات الآلاف من الكرد في دياربكر تأييداً لفلسطين…ومواقف غيرها كثيرة جداً.
وكان الاتهام بالخيانة والعمالة و”البويجة” هو المكافأة الوحيدة على هذه المواقف والمشاعر.
بل إنّ البيشمركة ألقت القبض في انتفاضة 1991 على 36 مقاتلاً من منظمة التحرير كانوا يقاتلون إلى جانب صدام ضد الكرد. ولم يشهد أن انضم واحد منهم للكرد في مقاومتهم ضد مستبديهم.
من هنا، يمكن لأي قارئ منصف أن يفهم دوافع تحوّل الموقف الكردي، وأن يدرك كيف تتحوّل الصداقة إلى عداوة عندما يُقابل الدعم بالغدر، ويُرشق الصديق بألف حجر.
ولكن ذلك كله ليس نهاية المطاف، ولم يغلق الكرد أبواب قلوبهم أمام الزائر الصادق، فما أسهل على عدو الكرد أن يمسح ما ترسب في داخل هذا الشعب بكتابة مواقف جديدة تؤكد على احترامه لهويته والاقرار بحقوقه والتعاطف مع قضيته..
وما تأييد ومشاركة الكرد لمنشورات أصدقاء عرب نددوا بتصرف مظاهرة منبج التي رفع بعض الزعران “صندوق البويه” في إشارة وإهانة للكرد.. سوى دليل على أن الود بين الشعبين والشركاء سيستمر، لأنه لم يفسد كما يراد له.
