خالد حسو

لا شكّ أن الإنسانية هي الأساس؛ فالإنسان وُجد قبل القوميات وكل أشكال الانتماء، وتبقى الإنسانية الصِّرفة الحقيقة الأسمى لكل من يبحث بصدق عن المعنى والعدل والحقيقة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لأي هوية، أيًّا كان شكلها، أن تكتسب مشروعيتها إلا بقدر التزامها بكرامة الإنسان وحقوقه.

وفي هذا السياق، فإن الاعتزاز بالهوية القومية لا يتعارض مع القيم الإنسانية عندما تُبنى هذه الهوية على الأخلاق والعدل واحترام الإنسان، لا على الإقصاء أو العداء أو التفوّق. والهوية الكوردية، في جوهرها التاريخي والثقافي، تشكّلت بوصفها هوية إنسانية قبل أن تكون سياسية، وهوية وجود وحفاظ على الذات، لا مشروع هيمنة أو انتقام.

ونحن نفخر بماضي شعبنا العريق والساطع، ليس ادّعاءً للكمال، بل شهادةً على مسارٍ تاريخي لم يُعرف عنه أنه قام على النهب والسلب، أو الاستيلاء على ممتلكات الآخرين، أو ممارسة الخطف أو التعذيب أو القتل أو التمييز أو الإبادة، ولا ارتكاب جرائم الاغتصاب أو السبي بوصفها أدوات منهجية أو سياسات جماعية. وعلى العكس، كان هذا الشعب في مواضع كثيرة طرفًا متضررًا من تلك الممارسات، لا صانعًا لها.

من الزاوية الفلسفية، فإن القومية التي تنفصل عن الإنسانية تتحوّل إلى أداة عنف، أما القومية التي تتأسّس على القيم الإنسانية فتبقى إطارًا أخلاقيًا لحماية الهوية والكرامة دون إنكار لحقوق الآخرين. ومن هنا، فإن التجربة الكوردية تعكس فهمًا عميقًا للانتماء بوصفه مسؤولية أخلاقية، لا شعارًا أو أداة صراع.

أما سياسيًا وقانونيًا، فإن أي مطالب كوردية مشروعة لا تخرج عن سياق المبادئ التي أقرّتها المواثيق الدولية، وفي مقدّمتها حق الشعوب في الهوية واللغة والعيش بكرامة وأمان، والمشاركة العادلة، ضمن أطر سلمية وقانونية. وهي مطالب تنسجم مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا تتناقض مع مبادئه.

لقد ظلّت الإنسانية عنوان تاريخنا، وضمير حاضرنا، والبوصلة التي نطمح أن توجّه مستقبلنا. وفي عالمٍ أنهكته صراعات الهوية المغلقة، تبقى القيمة الحقيقية لأي انتماء في قدرته على خدمة الإنسان، لا في نفيه أو إقصائه.

وتبقى وجهات النظر المختلفة محلّ احترام وتقدير عندما تُطرح بروح إنسانية وحوارية، ويظل الهدف الأسمى هو الحقيقة والعدل والكرامة الإنسانية.