د.خيرالدين حسن

لقد تألمنا كثيراً، وما زال الألم يثقل أجسادنا حتى هذه اللحظة على استشهاد ابن أخينا. لكن ما زاد هذا الألم، وما جعله أعمق وأقسى، هو ذلك الصمت الغريب من “الأصدقاء” العرب على صفحاتنا. صمت لا يليق بإنسانية ندّعي جميعاً أننا نحملها، ولا بعلاقةٍ كنا نظن أنها أصدق من مجرد كلمات على الفيسبوك.

بعد إعلان استشهاده، وصلتنا التعازي من الأهل والجيران والأصدقاء وأناس لم نلتقِ بهم من قبل. لكن من كان يفترض أن يكون أقرب… اختفى. لا كلمة مواساة، لا مشاركة حزن، لا حتى “رحمه الله”.

الأقسى من الصمت… كان ما كتبه الغرباء:
“فطيس”، “إلى جهنم”، “ملحدين انجاس ما يتذكروا اللّٰه الا وقت الموت “،”كلب وفطس الى جهنم وبئس المصير “وعبارات لا تُقال لميت، ولا تُقال حتى لعدو. هذا ليس اختلافاً سياسياً، هذا سقوط أخلاقي كامل.

ولنكن أكثر صراحة:
العقلية التي تعاملت مع موت ابن أخينا ليست استثناء. إنها نظرة راسخة:
– عندما يموت تركماني… يُرفع إلى مرتبة الشهيد.
– عندما يموت شيشاني… يصبح شهيداً.
– عندما يموت إيغوري… يُبجَّل ويُدعى له.
– أما عندما يموت كردي… يصبح “فطيساً”؟!

من الذي قرر أن دم الكردي أقل قيمة؟
ومن منح نفسه حقّ منح لقب “شهيد” حسب القومية والهوية؟

هذه ليست مسألة حزب أو تنظيم أو اتجاه سياسي.
نحن الكرد نختلف سياسياً، نعم، وربما أكثر من غيرنا. لكن وسط كل اختلافاتنا، وسط هذا التنوع، هناك شيء واحد لم يتغير:

نحن جميعاً — بلا استثناء — نقف خلف قضية كردية واحدة.

قضية حقوق، ولغة، وكرامة.
قضية شعب يريد فقط أن يُعامل كإنسان، وأن يحيا على أرضه بلا خوف ولا إنكار.

من يرفض الاعتراف بأن للكرد شهداء، يقول في الحقيقة:
“لا قضية لكم… ولا وجود لكم”.

ولهؤلاء نقول بوضوح:
نحن هنا قبل الحدود، قبل الدول، قبل الروايات التي تحاول اختصارنا.
نحن لم نأتِ من خلف البحار، ولم نطلب من أحدٍ صدقة وجود.

أما “الأصدقاء” الذين صمتوا في لحظة كنا نحتاج فيها مجرد كلمة، فهم كشفوا شيئاً مؤسفاً:
الصداقة التي تختفي عندما يموت كردي… ليست صداقة.
والإنسانية التي تُقاس بالقومية… ليست إنسانية.

رغم كل شيء، نحن الكرد نختار الكرامة.
نشيّع شهداءنا بكرامة، ونختلف بكرامة، وندافع عن قضيتنا بكرامة.
ولن يسمح لنا أحد — مهما فعل — أن نشعر بأن دم أبناءنا أقل قيمة أو أن تضحياتنا أصغر من تضحيات الآخرين.