د.خيرالدين حسن

أحياناً لاتحتاج الشعوب إلى حلفاء بقدر ما تحتاج إلى صدمة قوية توقظها من سباتها.
والصدمة جاءت هذه المرة من حيث لم يتوقع أحد: من موجة التحريض والكراهية العربية الأخيرة ضد الكرد.
خطاب عنيف، ساخر، مُحقِّر، يشكك في الوجود نفسه.
انتشر على المنصات، تداولته حسابات سنية سورية وغير سورية، ورددته أصوات كانت بالأمس تتحدث عن «الأخوة» و«التعايش».
كان يُفترض أن يُضعفنا.انتهى بأن جمعنا.
الصدمة التي لم تُحسب لأول مرة منذ عقود، وجد الكُرد أنفسهم يُنظَر إليهم ككتلة واحدة من الخارج.
«الكُرد»… كلمة واحدة، تهديد واحد، عدو واحد.
فسألنا أنفسنا سؤالًا بسيطًا وخطيرًا في آن:
إذا كان الآخر يرانا «شيئًا واحدًا»، فلماذا ما زلنا نُصرّ نحن على أن نكون أشياء متفرقة؟
لم يكن رد الفعل عاطفيًا عابرًا.كان صدمة هوية.
حدود سايكس بيكو تذوب… في القلوب أولًا
فجأة تلاشت المسافات النفسية.
الكُردي في قامشلو صار يشعر بإهانة الكُردي في كوباني وأربيل وديار بكر ومهاباد في اللحظة نفسها.
نفس الجملة المُهينة، نفس النبرة الحاقدة، نفس الاتهام الجاهز.
الخطر صار واحدًا. الإهانة صارت واحدة. والمصير صار واحدًا.
ما عجزت عنه عشرات المؤتمرات واللقاءات والأحزاب والمنظمات القومية على مدى قرن،
أنجزته حملة كراهية في أسابيع قليلة… دون أن يقصد أصحابها.
شكرًا… بكل مرارة
نعم، نشكركم.
نشكركم لأنكم كسرتم آخر أوهامنا عن «التعايش الجميل» و«الأخوة التاريخية».
نشكركم لأنكم أثبتم أن الهوية لا تُصان بالكلام الناعم، بل بالموقف عند الحقيقة القاسية.
نشكركم لأنكم دفعتم آلاف الشباب الكرد في سوريا والعراق وخارجهما إلى إعادة ترتيب أولوياتهم:
نحن أولًا، ثم نحن، ثم نحن.
من أراد إضعافنا صقلنا.
من أراد تشتيتنا جمعنا.
من أراد إذلالنا أيقظ فينا كرامة لم نكن نعرف أننا نملكها بهذا الحجم.
في النهاية، لم يعد السؤال: متى سنتوحد؟
السؤال الآن: هل يستطيع أحد بعد اليوم أن يفرّقنا مجددًا؟
شكرًا لكم أيها العرب.
بجدية هذه المرة.
لقد أنهيتم — من حيث لا تدرون — قرنًا كاملاً من فرقتنا،
وفتحتم لنا باب قرن جديد… نكتبه نحن، وبأيدينا هذه المرة.