قهرمان مرعان آغا


هل انتصرت الثورة السورية بسقوط نظام الأسد ، أم أنّ نظام الأسد كان آيلاً للسقوط فانتصرت الثورة السورية ، و في الإتجاه ذاته هل انتصرت هيئة تحرير الشام أم انتصرت الثورة السورية، هذا يعني بأن انتصار الثورة لم تكن ستحصل لولا العوامل الخارجية التي سنأتي على توضحيها في سياق المقال ، مقابل ذلك سقوط النظام لم يكن ممكناً لولا توفر اسباب فكاك تحالفاته الخارجية ، إذاً العامل الخارجي هو الأساس المساهم في انتصار طرف و في سقوط طرف آخر ، ما يؤكد هذا التفسير هي خطة معركة ردع العدوان التي لم تشمل سوى ريف حلب حسب إفادات و تصريحات قادة هيئة تحرير الشام وما تبعها من معارك لم تكن سوى مفاجئات ولم تكن في الحسبان و الحسابات ، كذلك حالة الهروب المذلَّة التي عمَّت أركان النظام الساقط، دون الالتفات إلى الوراء أو حتى مجرد النظر إلى الأمام ، مختفياً كل واحد عن أعين الآخر ، حاملاُ جعبته من مال السوريين ، قاصداً ، لِواذاً بمطار حميميم .

أصبحت سوريا منذ انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي الشوفيني في 8 آذار 1963 جزءاً من الامتداد القومي العروبي الذي قاده العسكر ، والجيوش المهزومة في كل من مصر عبدالناصر وعراق صدام وسوريا الأسد فيما بعد ، في ظل انعدام الحريات والحياة السياسية وتراجع الاقتصاد والتنمية البشرية وتصاعد الدكتاتورية.
لهذا فإن إرهاصات الثورة ضد الاستبداد كانت تجابه بالقمع العاري و التغييب والقتل الجماعي ، فجاءت إنطلاقة الثورة السلمية في آذار 2011 على غير مسار مثيلاتها ، في كلٍ من تونس وليبيا ومصر و في ظروف داخلية ، لم تكن موازية لواقع أنظمة تلك الدول ، فيما يتعلق بوضع الجيش و أجهزة الأمن و العلاقة مع المشروع الإيراني الطائفي في عموم المنطقة . لهذا فإن الهدف من قتل المتظاهرين المدنيين منذ اليوم الأول ، هو جرّ الثورة إلى الصدام المسلح تحت ذرائع شتى .
إنَّ سقوط النظام الاسدي التوتاليتاري الاجرامي في 8 كانون الأول 2024، جاء نتيجة حتمية لحدة الصراع الدولي والاقليمي في سوريا بين مختلف الأطراف ( الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا – إسرائيل – ايران – تركيا – الدول العربية – الفصائل والقوى العسكرية المحلية ) ، إلا أنَّ ما حدث في غزة في 7 أكتوبر 2023 ( هجوم حماس على إسرائيل ) وضع حداً فاصلاً للمعادلة الاسرائيلية ، بحماية نظام الأسد و منع سقوطه و بدءاً لمرحلة و لزمن مختلفين عما سبقهما في الشرق الأوسط من الصراع على أساس فائض القوة. فبدأ العد التنازلي لسقوط نظام الأسد الاجرامي بالتوازي مع إسقاط أذرع و مرتكزات مشروع الجمهورية الإسلامية (الشيعية) في إيران ، من قبل إسرائيل على حد سواء ، في فلسطين و لبنان و سوريا واليمن .
أدركت إيران بشكل قاطع بأن تواجد قواتها من الحرس الثوري والخبراء والميليشيات و مخازن الأسلحة وطرق امدادها يتعرض بشكل منهجي و مخترق للاستهداف والتدمير من قبل إسرائيل ، بسبب التعاون الاستخبارتي من قبل نظام الأسد( الحليف المؤكد) مع إسرائيل( العدو المفترض) لهذا انسحب الحرس الثوري ، قوة إيران الأساسية من الميدان و لم يعد الدور الإيراني مجدياً في حماية النظام الذي تخلى عنه برضاه ، بعد أن اعتقد أن انفتاح دول الجامعة العربية وغيرها من الدول ، قد فك عزلته السياسية الخارجية و أن مفاعيل عودة هذه العلاقات على الداخل السوري يوازي تأثيرها الخارجي ، حتى أصبح ما يبثه الإعلام من رغبة رئيس تركيا ( الدولة المتآمرة ) السيد أردوغان بلقاء المجرم بشار الأسد محل أسف وسخرية أغلب الناس في سوريا ، و كذلك روسيا بوتين التي لم تكتفي بمراجعة فاتورة حسابها المالي ، بل تعدى ذلك ، توخي الحذر من تكرار رفض الرئيس الوريث ، الساقط لإملاءاتها ونصائحها ( المفيدة ) التي جرددته حتى من حصانته الغير شرعية أساساً ، بعد أن تيقنت أنه لا يمكن حماية نظام البراميل المتفجرة بالإستدانة إلى مالانهاية .
افتراضاً ، ماذا لو خضع الساقط بشار الأسد لإلحاح الرئيس التركي أردوغان لزيارة دمشق وتسوية ملفات الصراع معه وفقاً للنصيحة الروسية ، في كل الأحوال علينا التيقن ، تأتي القدرة الإلهية في إحداث الأثر في الوقت الذي لا يدرك توفر أسبابها البشر ، وهكذا نكون أمام مشهد لا يصدقه العين ولا يقبله العقل ويتحير الجوارح في كيفية تفسيره ، حيث بدأت معركة ردع العدوان في ريف حلب في ( 27تشرين2 / 2024)وسقطت دمشق ومعها سوريا الأسد إلى الأبد في أقل من أسبوعين ، في (8 كانون الاول 2024) .
أعتقد إن حدوث سقوط النظام الأسدي الاجرامي ، هو جزء من تداعيات هجوم حماس في 7 اكتوبر 2023 على إسرائيل و ما تبعه من حرب وتدمير لغزة و حزب الله اللبناني والقصف الأمريكي الاسرائلي للبنية النووية الإيرانية ، قد أحدثت تحولات ومتغيرات سياسية كبرى و صراعات أخرى في عموم المنطقة ، يبدوا أن السلطة الإنتقالية المؤقتة الحالية في دمشق ، لا تدرك مخاطر تلك المتغيرات التي فرضتها إسرائيل بالقوة بما يتجاوز مجالها الأمني الحيوي ، كما لا تدرك أن هروبها إلى الأمام بخطوات ماراثونية لنسج علاقات خارجية لتعزيز شرعيتها في الحكم على حساب استحقاقات الداخل ، قد يوقعها في فخ آخر من جملة الأفخاف التي صادفت طريق غزوات جيشه العربي السوري وأمنه العام والخاص و فزعات عشائره و فصائله .
إنَّ سوريا كدولة إشكالية في بنيتها الجغرافية والبشرية والسياسية، كما هي سائر الدول القومية التي تشكلت وفق اتفاق سايكس_بيكو ، في المنطقة ، إذا أراد لها الاستمرار والتعافي من آثار الحرب الأهلية المدمرة التي لم تزل مستمرة إلى ما بعد سقوط النظام ، في مناطق نفوذ يستعصي على كل الدول التي تدعي دعم السلطة المؤقتة ( تركيا- الدول الخليجية …) مجابهته سواء في الجنوب حيث نفوذ دولة إسرائيل و في الساحل النفوذ الروسي أو في شرق الفرات حيث النفوذ الأمريكي ، على السلطة المؤقتة البحث عن الأسباب التي دفعت السوريين إلى الثورة ضد الدكتاتورية والاستبداد والإجرام و التفرد بالسلطة في ظل مركزية الدولة و البحث عن الحلول التي تكمن في إعادة ترتيب ما يُدَّعى إنجازه من جديد ، من خلال إشراك ممثلي الشعوب و المكونات الأخرى المختلفين عرقياً ، دينياً و مذهبياً في إطار دولة إتحادية ، تشمل أقاليم فيدرالية ، في مقدمتها اقليم كوردستان الغربية ، وفق رغبات السكان الأصليين ، تكون عاصمتها دمشق مع إعتبار خصوصية حلب كحاضرة تاريخية اقتصادية ، بعيداً عن صفة الأكثرية أو الأقلية ، لتعزيز مفاهيم الوطنية الحقة القائمة على الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية في ظل العيش المشترك و ترك خطاب الكراهية و لغة التهديد و فكرة الغزو والاستقواء بالفزعات والحوربة من الداخل والخارج و الاحتكام إلى العقل والحوار الجاد ، وفاءً لدماء الشهداء الذين ارتقوا إلى السماء يوم سقوط الصنم في دمشق الفيحاء .
في 8 كانون الأول 2025