د.خيرالدين حسن
هكذا هتف المسير العسكري أمس في احتفالات “يوم التحرير”، وهكذا كشفت الساعات الماضية حقيقة ما يجري: استعراضٌ لم يعد موجّهًا ضد عدو خارجي، بل صار رسالة تهديد صريحة لأبناء الجزيرة… أي للكرد قبل غيرهم.
والمفارقة؟ أن الخطاب نفسه تكرّر في دير الزور أيضًا، وكأن البلاد تعيش نشوة انتصار في معركة لم تحدث، بينما الواقع على الأرض لا يملك رفاهية الاحتفالات أصلًا.
اليوم، بعد سنوات من الحرب والانهيار والتشرذم، يصبح السؤال ملحًّا: إلى متى ستستمر هذه العقلية التي تُعامل جزءًا من الشعب كخصم دائم؟
وإلى متى ستبقى التهديدات العسكرية هي اللغة الوحيدة الموجّهة نحو الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وكأن الحوار عيب، والتفاهم خيانة، والشراكة الوطنية ترف غير مسموح؟
من المسؤول عن هذا المناخ؟
المسألة ليست مجرد مسير عسكري. المشكلة أعمق: هرم السلطة نفسه هو الذي يصنع هذه اللغة ويعيد إنتاجها. فهل يستطيع أي مسؤول أو ضابط الخروج في مظاهرات كهذه، ورفع شعارات تهديد، لو لم يكن ذلك انعكاسًا لإرادة من فوق؟
الجواب تعرفه البلاد منذ نصف قرن.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها أصحاب القرار واضحة:
لا يمكن بناء دولة بتهديد جزء من شعبها.
ولا يمكن استعادة وحدة سوريا عبر تحويل الكرد إلى “ملف أمني”.
ولا يمكن أن تستقر الجزيرة إذا ظلت تُعامل كأنها أرض “تحت الاختبار”.
إنّ أي مشروع وطني حقيقي يبدأ من نقطة واحدة: طاولة تجمع الطرفين—الحكومة السورية والكرد—بصدق لا بمناورات.
طاولة تُناقش الحقوق والاعتراف واللامركزية ومستقبل البلاد، بدلًا من لغة السلاح والاستفزازات اليومية.
طاولة تسمح أخيرًا للخلافات أن تتحول إلى حلول، لا إلى أناشيد تهديد جديدة.
سوريا تحتاج إلى عقلٍ سياسي لا إلى طبول حرب.
والجزيرة تحتاج إلى شراكة، لا جيشًا يلوّح لها من بعيد.
والكرد يستحقون اعترافًا كاملًا بوصفهم جزءًا أصيلًا من هذه الأرض، لا هدفًا في عرض عسكري موسمي.
يكفي استعراضات… البلاد تحتاج سلامًا حقيقيًا، لا أناشيد “صبراً يا جزيرة.
