د.خيرالدين حسن

بعد أكثر من عقد على تولّي الإدارة الذاتية ومعها القوى السياسية والعسكرية المرتبطة بها زمام الأمور في شمال وشرق سوريا، يصبح من المشروع – بل من الواجب – فتح نقاش جدي حول حصيلة هذه التجربة، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من حياة الناس اليومية.

هذه المناطق ليست فقيرة بطبيعتها. على العكس، هي من أغنى بقاع سوريا من حيث الموارد المائية، إذ تمر فيها أنهار استراتيجية كالفـرات وأجزاء من دجلة، إضافة إلى الخابور والجقجق . كما تحتضن حقولاً نفطية وغازية كبرى، إلى جانب مساحات زراعية واسعة قادرة، لو أُديرت بكفاءة، على تحقيق أمن غذائي واستقرار اقتصادي حقيقي.

وفوق ذلك، حظيت هذه المناطق بدعم دولي غير مسبوق مقارنة بغيرها من الجغرافيا السورية، شمل مساعدات مالية، ومشاريع إنسانية، وحضوراً دائماً لمنظمات دولية. نظرياً، كانت الشروط الأساسية لبناء نموذج إدارة مقبول متوفرة.

لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا كانت النتيجة؟

اليوم، يواجه السكان نقصاً حاداً في المياه والكهرباء، تراجعاً في الزراعة، شللاً في البنية التحتية، وضعفاً في الخدمات الصحية، وارتفاعاً كبيراً في تكاليف المعيشة يقابله دخل لا يوفّر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. واقع لا ينسجم لا مع حجم الموارد، ولا مع سنوات السيطرة، ولا مع خطاب “الإدارة البديلة”.

المشكلة لم تعد في غياب الإمكانيات، بل في غياب الشفافية والمساءلة.
أين تذهب عائدات النفط؟
كيف تُدار الموارد المائية والزراعية؟

لماذا بقيت رواتب الموظفين عند حدود لا تكفي أسبوعاً واحداً من المعيشة؟
وأين هي الخطط الاقتصادية طويلة الأمد؟

الأخطر من كل ذلك، أن يُتعامل مع هذا الواقع وكأنه قدر لا مسؤول عنه أحد، بينما الحقيقة أن أي سلطة تمسك بالقرار منذ 12 عاماً لا يمكنها التهرب من مسؤولية النتائج.

النقد هنا ليس دعوة للهدم، ولا إنكاراً للتحديات السياسية والأمنية المعقدة، لكنه مطالبة واضحة بمراجعة جادة للتجربة، تبدأ بـ:

فتح ملفات الموارد المالية وعائدات النفط بشفافية كاملة.

وضع سياسة اقتصادية واقعية توازن بين الرواتب وتكاليف المعيشة.

الاستثمار الحقيقي في الزراعة والمياه بدل تركها تنهار.

بناء مؤسسات رقابية مستقلة لمكافحة الفساد.

إشراك المجتمع المحلي في القرار بدل الاكتفاء بخطاب تمثيلي.

أي تجربة حكم لا تُقاس بطول عمرها ولا بكثرة شعاراتها، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس. وبعد كل هذه السنوات، أصبح من حق السكان أن يسألوا، ومن واجب الإدارة أن تجيب، لا إعلامياً، بل عملياً